السبت 14 فبراير 2026
24°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
نحن بانتظار غودو في مسرحية صمويل بيكيت
play icon
الافتتاحية

نحن بانتظار غودو في مسرحية صمويل بيكيت

Time
الأحد 25 يناير 2026
أحمد الجارالله

عندما دخل وزير الإعلام والسياحة مانويل فراغا إريباري الحكومة الإسبانية عام 1962، في عهد الرئيس فرانكو، رسم سياسة سياحية لبلاده، تحت عنوان "إسبانيا مختلفة"، سمح فيها بانفتاحها على العالم، وكذلك سمح بتملك الأجانب.

بعد فترة، انزعج بعض المتنفذين في الاقتصاد والسياسة من هذه الستراتيجية، وزار وفد منهم الرئيس وأبدى اعتراضه، ومما قيل يومها إن المجتمع الإسباني محافظ بطبعه، ولن يرضى بذلك.

في اليوم التالي، طلب فرانكو وزيره وأخبره بما تضمنه حديث الوفد، فأجاب الوزير: "سيدي الرئيس، إن الذي اشترى الأرض صحيح أجنبي، لكن الذي شيّد البناء إسباني، ومن يعمل فيه إسبان، فالحارس والطباخ وبائع الخضار، وكذلك مقدم الخدمات كلهم مواطنون من هذا البلد، وبالتالي فإن الفائدة تعود على إسبانيا كلها، وليست مقتصرة على فرد فقط".

فأجابه فرانكو: "استمر في سياستك، ولا تلتفت إلى ما يقوله بعض المستفيدين من إغلاق البلاد".

هذه السياسة حولت إسبانيا من "أرض الغروب القاصية"، كما كانت تسمى، إلى واحة سياحية يؤمها الكثير من الناس، ولقد تمتعت بعوائد مالية كبيرة، دفعت الناتج المحلي إلى الارتفاع كثيراً، وتغلبت على أزمتها الاقتصادية التي ورثتها إثر نتائج الحرب العالمية الثانية، والحرب الأهلية.

ذلك ساعدها، أيضا، على الصمود في الأزمات التي عصفت بأوروبا طوال الحرب الباردة، وجعلتها ملجأ للكثير من الأوروبيين والغربيين الذين اختاروها كموطن لهم، فيما لا تزال تستفيد إلى اليوم من تلك السياسة السياحية الفريدة من نوعها في تلك الفترة التي كانت فيها سياسات الدول الأوروبية والغربية تقوم على صراع العصبيات الوطنية والحزبية.

في هذا المجال، أذكر، ولقد أشرت إليها أكثر من مرة في مقالاتي، حادثة حصلت مع حاكم دبي، المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، رحمه الله، في أوائل ثمانينيات القرن الماضي، إذ جاء إليه بعض أهل دبي، واعترضوا على السماح للكويتيين بالتملك في الإمارة، وبناء عمارات وبيوت لهم، يومها قال الشيخ راشد، رحمه الله: "إن الكويتيين يبنون في أرض قاحلة، وهم لن يأخذوا ما شيدوا حين يتركون البلاد، وبالتالي فإن ذلك فائدة لدبي وأهلها".

اليوم دبي، والإمارات كافة، تعج بالناس من مختلف الجنسيات، والجميع يعمل فيها، والناتج المحلي لدبي فقط بلغ 241 مليار درهم في النصف الأول من العام الماضي.

لا شك أن هذه السياسة غيرت النمط الاقتصادي لإمارة واحدة من الإمارات السبع، فيما بلغ الناتج المحلي للدولة ككل 1.77 تريليون درهم إماراتي، أي ما يعادل نحو 482 مليار دولار أميركي.

إن هذه السياسة الاقتصادية المبنية على رؤية للمستقبل تساعد على تطور الدولة ككل، ولهذا، فإن الدول تتجه اليوم نحو البحث عن فرص التسويق في شتى المجالات، فهذه المملكة العربية السعودية عملت على تطوير اقتصادها منذ سنوات عدة، وسمحت للأجانب بالتملك، ومنحتهم الكثير من المحفزات، لهذا، فإن الناتج المحلي للمملكة ارتفع 5.1 في المئة، مدفوعاً بزيادة الأنشطة غير النفطية، ليصل إلى نحو 1.27 تريليون دولار أميركي.

كذلك فعلت سلطنة عُمان، التي سمحت بتملك الأجانب، ومنحتهم محفزات عدة، فكان هذا عامل جذب للاستثمارات، ولقد ارتفع حجم الاستثمار الأجنبي المباشر ليصل إلى 30.3 مليار ريال عُماني، فيما تسير وفق خطة جذب لرؤوس الأموال ضمن "رؤية عُمان 2040"، التي تركز على التنويع الاقتصادي.

في كل هذه الدول، هناك اليوم نهضة اقتصادية غير مسبوقة، رغم الأحداث التي تعصف بالعالم، ففي هذه المنطقة الكثير من الفرص التي تجعلها الأكثر استقراراً لسنوات عدة، وبالتالي تستفيد من ذلك بالدفع إلى تحسين المستويات المعيشية لمواطنيها، فيما تنتقل الأموال إليها سريعا.

وبالمناسبة، حين رفعت بريطانيا الضرائب على الأملاك، نزح نحو 16 ألفاً من مواطنيها إلى الإمارات واليونان، وهؤلاء رفدوا السوق المحلية في الدولتين بالكثير من رؤوس الأموال التي ساعدت على النمو.

الكويت، كما قلنا سابقاً، ونكرر اليوم، لديها الكثير من الفرص، بل إنها أكثر ديناميكية، ثقافياً واجتماعياً، حتى اقتصادياً، من الكثير من دول الإقليم، وفي موقعها الجغرافي المتميز لها الأسبقية في هذه المجالات، إذا كانت لديها النية كي تدخل مجال المنافسة، لكنها خسرت الكثير من الوقت، عندما انغلقت على نفسها، إلى درجة أنها طردت الخبرات، وكذلك أصحاب المشاريع الصغيرة والمتوسطة، ورضخت إلى أصحاب النظارات السوداء أن يعملوا على المزيد من الإغلاق.

اليوم، هناك فرصة سانحة لجذب رؤوس الأموال الأجنبية إلى البلاد، وإقامة مشاريع صناعية وخدماتية، وبناء وغيرها، وهذا متاح إذا أدركت الحكومة أن الوقت لا ينتظر أحداً، وعليها العمل سريعاً على فتح البلاد أكثر... وأكثر، ولا أن نكون كتاجر البندقية ننتظر ارتفاع أسعار النفط، والفوائد الموقتة، فالطيور تطير بأرزاقها، بينما نحن نبقى على رصيف الانتظار، وكأننا أبطال مسرحية الكاتب الأيرلندي صمويل بيكيت "في انتظار غودو".

آخر الأخبار