في عالم يشهد ارتفاعاً في معدلات الجريمة في العديد من الدول، تبرز اليابان كاستثناء ملحوظ. غالباً ما يُشار إلى أن اليابانيين نادراً ما يتورطون في جرائم خارج بلادهم، بما في ذلك الدول العربية. هذا الادعاء يرتبط ارتباطاً وثيقاً بنظام التعليم الياباني، الذي يبدأ بتدريس مادة"الأخلاق" منذ سن مبكرة.
في هذه المقالة، سنستعرض أسباب هذه الظاهرة، مستندين إلى الثقافة اليابانية، نظام التعليم، وإحصاءات الجريمة، مع التركيز على السياق العربي.
في اليابان، يُعتبر التعليم الأخلاقي جزءاً أساسياً من المناهج الدراسية منذ المرحلة الابتدائية. يركز على غرس قيم مثل الاحترام للآخرين، المسؤولية الاجتماعية، الانسجام الجماعي، والسيطرة الذاتية.
على سبيل المثال، يتعلم الأطفال منذ الصغر كيفية التعامل مع الآخرين بلباقة، احترام القوانين، والتفكير في تأثير أفعالهم على المجتمع.
هذه القيم ليست مجرد دروس نظرية؛ بل تُمارس يومياً من خلال أنشطة جماعية مثل تنظيف المدرسة معاً، أوحل النزاعات بشكل سلمي.
وفقاً لدراسات، ساهم هذا النظام في تشكيل مجتمع يعتمد على "الوعي الجماعي"، إذ يفكرالفرد في مصلحة الجماعة قبل مصلحته الشخصية.
كما أن الثقافة اليابانية، المبنية على مبادئ الكونفوشيوسية والشنتوية، تعزز هذه القيم، مما يقلل من النزعات الفردية التي قد تؤدي إلى الجريمة ،وتشير بحوث إلى أن هذا التعليم يعمل كعامل وقائي ضد السلوكيات الإجرامية، حيث يزيد من الوعي بتكاليف الجريمة الأخلاقية والاجتماعية.
وتُعد اليابان من أقل الدول جريمة في العالم. على سبيل المثال، انخفضت معدلات الجريمة فيها بشكل ملحوظ بين عامي 1952 و1990، ويُعزى ذلك جزئياً إلى الثقافة والتعليم الأخلاقي.
حتى في السنوات الأخيرة، يظل معدل الجريمة منخفضاً مقارنة بالدول المتقدمة الأخرى. وفي دراسة أجرتها جامعة "واريك" البريطانية أظهرت أن زيادة معدلات التعليم العالي تقلل من الجرائم العنيفة والممتلكات، لأنها ترفع تكلفة الفرصة البديلة للجريمة، أي أن الفرد فكر في فقدان وظيفته أو سمعته قبل ارتكاب خطأ.
كما أن الثقافة اليابانية تشجع على "التوجيه الداخلي"، إذ يشعر الأفراد بالخجل من مخالفة القوانين، مما يقلل من الحاجة إلى الشرطة أو العقوبات الخارجية، هذا يتناقض مع بعض المجتمعات الأخرى التي تعتمد أكثر على الردع الخارجي.
لماذا هذا الغياب النسبي؟ أولاً، عدد اليابانيين المقيمين أو السياح في الدول العربية محدود نسبياً مقارنة بجنسيات أخرى. ثانياً، الثقافة اليابانية والتعليم الأخلاقي يجعلان اليابانيين أقل عرضة للتورط في جرائم، سواء في بلادهم أو خارجها. على سبيل المثال، يُدرب اليابانيون على احترام القوانين المحلية أثناء السفر، مما يقلل من المخالفات مثل السرقة أو العنف.
رغم نجاح اليابان، يواجه نظامها تحديات حديثة مثل زيادة الجرائم بين الشباب في الثمانينيات، مما دفع إلى تعزيز التعليم الأخلاقي. ومع ذلك، يظل النموذج الياباني مصدر إلهام للدول الأخرى، بما في ذلك العربية، حيث يمكن دمج تعليم الأخلاق في المناهج لتعزيز الوعي الاجتماعي.
عدم وجود سجناء يابانيين بارز في الدول العربية يعكس تأثير تعليم الأخلاق العميق في تشكيل شخصية الفرد الياباني. هذا النظام ليس مجرد دروس، بل ثقافة حياة تساهم في مجتمع آمن ومنسجم.
ربما يدفعنا ذلك إلى التفكير في كيفية تعزيز مثل هذه القيم في مجتمعاتنا لمواجهة تحديات الجريمة مثل ادخال مادة الاخلاق في تعليمنا الحالي في الدول العربية، ونستفيد من التجربة اليابانية.
كاتب صحافي