في إحدى جلسات الانتظار، كان الحديث يدور همساً بين رجل وامرأة لا يعرف أحدهما الآخر، كلاهما يمر بتجربة أسرية متعبة، وكلاهما يحمّل القوانين جزءاً من الألم.
حين قال الرجل إن بعض النصوص القديمة لم تكن منصفة، وقالت المرأة إن الخوف كان دائماً من ضياع الحقوق.
وبين الرأيين يبقى السؤال معلقاً: أين تقف العدالة حين تختلف القلوب؟
حين أُعلن عن قانون الأحوال الشخصية الجديد في الكويت، لم يكن مستغرباً أن ينقسم الرأي العام بين مؤيد ومعارض، فالقوانين التي تمس الأسرة لا تمر بهدوء، لأنها لا تتعامل مع أرقام جامدة، بل مع بيوت، ومشاعر، وأطفال، ومستقبل مجتمع بأكمله.
غير أن النظر بعمق إلى روح القانون، لا إلى الضجيج المصاحب له، يكشف محاولة جادة لإعادة التوازن إلى العلاقة الأسرية.
في القانون السابق، كان البعض ينظر إلى نصوصها خارج سياقها العادل. لم تكن المشكلة دائماً في النص ذاته، بل في توظيفه لتحقيق مصالح شخصية على حساب الشريك الآخر، أو على حساب استقرار الأسرة.
ومع تراكم النزاعات، تحولت المحاكم، في كثير من الحالات من مساحة إنصاف إلى ساحة صراع، يدفع ثمنها الأبناء قبل غيرهم.
القانون الجديد، في جوهره، لا يسعى إلى الانتصار لطرف على حساب آخر، بل إلى ضبط العلاقة بين الحقوق والواجبات، وإعادة تعريف العدالة بوصفها توازناً لا ترجيحاً.
فالعدالة الأسرية لا تعني أن يكسب أحد الطرفين على حساب حقوق الآخر، بل أن تُصان كرامة الجميع، وأن تُحمى الأسرة من التحول إلى ساحة استنزاف نفسي واجتماعي.
ما يميّز هذا التوجه أنه يضع مصلحة الأسرة في مركز الاهتمام، لا مصلحة الفرد فقط. فحين يشعر كل طرف أن القانون يحميه، دون أن يمنحه أداة للإضرار بالآخر، تقل فرص الاستغلال، ويصبح الحوار خياراً أفضل من الخصومة.
وهذا بحد ذاته عامل مهم في التقليل من نسب الطلاق، أو على الأقل في الحد من آثاره السلبية.
القوانين العادلة لا تُلغي الخلافات، لكنها تمنع تضخيمها. وهي لا تُجبر الناس على البقاء معاً، لكنها تشجّعهم على التفكير قبل الانفصال، وتمنحهم مساحة أوسع للتفاهم والاستقرار، وعندما يدرك الزوجان أن النظام القانوني لا يكافئ التعنّت، ولا يعاقب حسن النية، تتغير طريقة إدارة الخلاف من جذورها.
والأهم أن القانون الجديد يرسل رسالة اجتماعية واضحة: الأسرة ليست ساحة صراع، بل كيان يجب حمايته، وحين تُبنى القوانين على هذا المبدأ، فهي تسهم في تماسك المجتمع وتطوره. فالمجتمع الذي تقل فيه النزاعات الأسرية، هو مجتمع أكثر استقراراً نفسياً، وأكثر قدرة على التربية السليمة والإنتاج.
قد لا يكون أي قانون كاملاً، وقد تظهر ملاحظات تحتاج إلى مراجعة أو تطوير، لكن الاتجاه العام نحو تحقيق العدالة ومنع توظيف النصوص لمصالح شخصية يُعد خطوة في الاتجاه الصحيح. فالقوانين، في النهاية، ليست جامدة، بل تنضج مع المجتمع وتتطور معه.
وبين مؤيد ومعارض، يبقى الرهان الحقيقي على الوعي في التطبيق، وعلى النية في الاستخدام. فحين تُستخدم القوانين لحماية الأسرة لا لتفكيكها، تصبح العدالة جسرا للتماسك، لا سببا للانقسام.
كاتب في الشأن الأسري والنفسي