مع اقتراب شهر رمضان المبارك، تعود قضية الغارمين إلى الواجهة، ككل عام، ومنذ زمن نتحدث عن مسألة العدالة في معاملتهم بروح القانون، الذي لا يزال يحتاج إلى الكثير من الرؤية المنسجمة مع العادات والتقاليد الاجتماعية، وليس الزجر والقسوة.
مرات عدة كتبنا أن الغارم لم يقع في هذه المشكلة إلا لسبب قاهر، وبالتالي هناك من يتاجر بحاجة الناس لزيادة ثروته، غير متكرث بما يقع على المحتاج، فيعمد إلى وضع قيود عليه تدخله السجن في حال تعثر بالدفع، لا سيما إذا كان قد أصدر شيكات دون رصيد، أو سندات أمانة أو غيرها من الطرق المستخدمة في عالم المال.
وكما أسلفنا سابقاً، هناك نحو 120 ألفاً عليهم دعاوى مالية، وصدرت على الغالبية منهم أوامر "ضبط وإحضار"، وباتوا ملاحقين، والكثير منهم يقبع في السجن منذ سنوات، ما تسبب في تفكك الأسر، وتولدت من ذلك مشكلات عدة، اجتماعية ومالية، مما زاد طالبي "الإعانة الاجتماعية".
في القاعدة الشرعية أن "الغرم يقع على من فرط في المال"، لأنه أعطى من ليس لديه القدرة على السداد، وأخذ عليه سنداً أو صكاً رغم معرفته بعدم إيفاء المطلوب منه، وعلى هذا الأساس فإنه يكون قد أعطى المال بسوء نية، وهذا يعاقب عليه القانون، إذ ورد فيه "يعاقب بالحبس وبغرامة لا تزيد على ثلاثمئة دينار، أو بإحدى هاتين العقوبتين من أعطى بسوء نية صكاً (شيكاً) وهو يعلم أن ليس له مقابل وفاء كاف قائم وقابل للتصرف فيه".
إن القاعدتين، الشرعية والقانونية، لم تطبقا في الكويت، وهو ما جعل أجهزة الحكومة كافة تتحول إلى محصل موظف عند الدائنين، وليست حكماً يمنع الإيذاء عن الناس، بينما جعلت هؤلاء مستغلي آلام الناس لهم اليد العليا، لأن القانون منحهم القوة، فيما الأساس يجب أن يكون العكس، أي أن المفرط في المال عليه تحمّل المسؤولية.
صحيح أن حفظ الحقوق هو القاعدة الأولى، وفي هذا لا أحد يعارض، وعلى هذا النهج سارت المعاملات التجارية، لكن هذه لها قواعدها المعروفة، إذ إن الاقتراض مقابل رهون عينية، والتي أحياناً تكون قيمتها أكثر من المبلغ المطلوب، لا أحد يناقش فيها، وعلى ذلك عملت البنوك ومؤسسات التمويل، لكن الإقراض بسوء النية هذه كارثة.
في الكويت درجت العادة منذ عقود على أن الإقراض يكون مقابل شيكات من دون رصيد، وهذه تسببت، كما أسلفنا بالمقدمة، في مشكلات كثيرة، وبينما حلت كل دول العالم هذه المسألة عبر تعديل القانون، واعتبرت المعاملات المالية ليست دافعاً للسجن، وأن الشيك الذي ليست له مؤونة ليس جناية، فإن الكويت إلى اليوم تعاني من هذه المشكلة.
ففي كل عام نرى في شهر رمضان حملات لسداد ديون الغارمين، بينما في العام الماضي وحده قدم نحو تسعة آلاف شخص من المسجونين في دعاوى مالية طلبات لسداد ديونهم، وإذا كان عدد السجناء تجاوز فوق 40 ألفاً في كل الجرائم، فذلك يعني أن ربعهم متعثرون مالياً، فهل هذا يعقل؟!
هذا الأمر يدفعنا إلى مطالبة المستشار النشيط، وزير العدل ناصر السميط، الذي يعمل على ورشة تعديل وتحديث القوانين، بأن يعدل القانون حتى يخفف عن المحاكم والسجن المركزي، والأسر الكويتية، فلا يعتبر الشيك من دون رصيد، أسوة بكل دول العالم، جناية تستوجب الحبس.
أخيراً، شكراً للبنوك التي لا تمنح القروض إلا برهون، وليست شيكات تسجن الناس.