قصص إسلامية
يحكي أنه كان ﻳﻮﺟﺪ ﻓﻲ ﺩﻣﺸﻖ ﻣﺴﺠﺪ ﻛﺒﻴﺮ ﺍﺳﻤﻪ "ﺟﺎﻣﻊ ﺍﻟﺘﻮﺑﺔ"، وسبب تسميته لها قصة، حيث كان مكانه دكان ﺗﺮﺗﻜﺐ ﻓﻴﻪ كل ﺃﻧﻮﺍﻉ ﺍﻟﻤﻌﺎﺻﻲ، ﻓﺎﺷﺘﺮﺍﻩ ﺃﺣﺪ ﺍﻟﻤﻠﻮﻙ ﻓﻲ ﺍﻟﻘﺮﻥ ﺍﻟﺴﺎﺑﻊ ﺍﻟﻬﺠﺮﻱ، ﻭﻫﺪﻣﻪ ﻭﺑﻨﺎﻩ ليكون مسجدﺍً، وفي أوائل القرن الماضي (أي ﻣﻨﺬ ﻧﺤﻮ مئة ﺳﻨﺔ)، ﻛﺎﻥ ﻓﻴﻪ ﺷﻴﺦ ﺍﺳﻤﻪ ﺍﻟﺸﻴﺦ ﺳﻠﻴﻢ اﻟﺴﻴﻮﻃﻲ، وﺃﻫﻞ ﺍﻟﺤﻲ ﻳﺜﻘﻮﻥ ﺑﻪ، ﻭﻳﺮﺟﻌﻮﻥ ﺇﻟﻴﻪ ﻓﻲ ﺃﻣﻮﺭ ﺩﻳﻨﻬﻢ ﻭﺩﻧﻴﺎﻫﻢ، وﻛﺎﻥ ﻟﻪ ﺗﻠﻤﻴﺬ ﻣﻀﺮﺏ ﺍﻟﻤﺜﻞ ﻓﻲ ﻓﻘﺮﻩ، لكن أيضا ﻓﻲ ﺇﺑﺎﺋﻪ ﻭﻋﺰﺓ ﻧﻔسه، ﻭﻳﺴﻜﻦ ﻓﻲ ﻏﺮﻓﺔ باﻟﻤﺴﺠﺪ.
وذات نهار كان قد ﻣﺮّ ﻋﻠﻴﻪ يومان ﻟﻢ ﻳﺄﻛﻞ ﺷﻴﺌﺎً، ﻭﻟﻴﺲ ﻋﻨﺪﻩ ﻣﺎ يأكله، ﻭﻻ ﻣﺎ ﻳﺸﺘﺮﻱ ﺑﻪ ﻃﻌﺎﻣﺎ، ﻓﻠﻤﺎ ﺟﺎﺀ اليوم الثالث ﺃﺣﺲ ﻛﺄﻧﻪ مشرف ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻤﻮﺕ، ﻭﻓﻜﺮ ﻣﺎﺫﺍ ﻳﺼﻨﻊ؟
فرأى ﺃن من الوجهة الفقهيّة قد بلغ ﺣﺪّ ﺍﻻﺿﻄﺮﺍﺭ ﺍﻟﺬﻱ يجوز ﻟﻪ ﺃﻛﻞ ﺍﻟﻤﻴﺘﺔ، ﺃﻭ ﺍﻟﺴﺮﻗﺔ ﺑﻤﻘﺪﺍﺭ ﺍﻟﺤﺎﺟﺔ، فآﺛﺮ ﺃﻥ يسرق ﻣﺎ ﻳﻘﻴﻢ ﺻﻠﺒﻪ.
ﻛﺎﻥ ﺍﻟﻤﺴﺠﺪ ﻓﻲ ﺣﻲّ ﻣﻦ ﺍﻷﺣﻴﺎﺀ ﺍﻟﻘﺪﻳﻤﺔ، حيث ﺍﻟﺒﻴﻮﺕ ﻓﻴﻬﺎ ﻣﺘﻼﺻﻘﺔ، والأسطح ﻣﺘﺼﻠﺔ بحيث ﻳﺴﺘﻄﻴﻊ ﺍﻟﻤﺮﺀ ﺃﻥ ﻳﻨﺘﻘﻞ ﻣﻦ ﺃﻭﻝ ﺍﻟﺤﻲ ﺇﻟﻰ ﺁﺧﺮﻩ ﻣﺸﻴﺎً ﻋﻠﻰ الأسطح.
فما كان من ذلك التلميذ إلا أن صعد ﺇﻟﻰ ﺳﻄﺢ ﺍﻟﻤﺴﺠﺪ، ﻭﺍﻧﺘﻘﻞ ﻣﻨﻪ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺪﺍﺭ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻠﻴﻪ، ﻓﻠﻤا لمح ﺑﻬﺎ ﻧﺴﺎﺀ غض ﺑﺼﺮﻩ ﻭﺍﺑﺘﻌﺪ، ثم رﺃﻯ ﺇﻟﻰ ﺟﺎﻧﺒﻬﺎ ﺩﺍﺭﺍً ﺧﺎﻟﻴﺔ، ﻭﺷﻢّ ﺭﺍﺋﺤﺔ ﺍﻟﻄﺒﺦ ﺗﺼﺪﺭ ﻣﻨﻬﺎ، ﻓﺄﺣﺲ ﻣﻦ ﺟﻮﻋﻪ ﻛﺄﻧﻬﺎ ﻣﻐﻨﺎﻃﻴﺲ ﺗﺠﺬﺑﻪ ﺇﻟﻴﻬﺎ، ﻓﻘﻔﺰ ﻗﻔﺰﺗﻴﻦ ﻣﻦ ﺍﻟﺴﻄﺢ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺸﺮﻓﺔ، ﻓﺼﺎﺭ ﻓﻲ ﺍﻟﺪﺍﺭ.
ثم ﺃﺳﺮﻉ فورا ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻤﻄﺒﺦ، وعندما كشف ﻏﻄﺎﺀ ﺍﻟﻘﺪﺭ رﺃﻯ ﺑﻬﺎ ﺑﺎﺫﻧﺠﺎﻧﺎً ﻣﺤﺸﻮﺍً. ﻓﺄﺧﺬ ﻭﺍﺣﺪﺓ، ﻭﻟﻢ ﻳﺒﺎﻝ ﻣﻦ ﺷﺪﺓ ﺍﻟﺠﻮﻉ ﺑﺴﺨﻮﻧﺘﻬﺎ، وما كاد أن يعض ﻣﻨﻬﺎ ﻋﻀﺔ ﺩون أن ﻳﺒﺘﻠﻌﻬﺎ ﺣﺘﻰ ﺍﺭﺗﺪ ﺇﻟﻴﻪ ﻋﻘﻠﻪ ﻭﺩﻳﻨﻪ، ﻭﻛﺒﺮ ﻋﻠﻴﻪ ﻣﺎ ﻓﻌﻞ! فقاﻝ ﻟﻨﻔﺴﻪ: ﺃﻋﻮﺫ ﺑﺎﻟﻠﻪ كيف نسيت ﺃني ﻃﺎﻟﺐ ﻋﻠﻢ، ﻭﻣﻘﻴﻢ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺴﺠﺪ، وها أنا ذا ﺃﻗﺘﺤﻢ ﺍﻟﻤﻨﺎﺯﻝ، ﻭﺃﺳﺮﻕ ﻣﺎ ﻓﻴﻬﺎ؟ يا ويلي، فندم ﻭﺍﺳﺘﻐﻔﺮ، ﻭﺭﺩ ﺍﻟﺒﺎﺫﻧﺠﺎﻧﺔ ﺇﻟﻰ ﻣﻜﺎﻧﻬﺎ، ﻭﻋﺎﺩ ﻣﻦ ﺣﻴﺚ ﺟﺎﺀ، ونزل ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻤﺴﺠﺪ، ﻭﻗﻌﺪ ﻓﻲ ﺣﻠﻘﺔ ﺍﻟﺸﻴﺦ، ﻭﻫﻮ ﻻ ﻳﻜﺎﺩ ﻳﻔﻬﻢ ﻣﺎ ﻳﺴﻤﻊ ﻣﻦ ﺷﺪﺓ ﺍﻟﺠﻮﻉ.
ﻓﻠﻤﺎ ﺍﻧﻘﻀﻰ ﺍﻟﺪﺭﺱ ﻭﺍﻧﺼﺮﻑ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﺟﺎﺀﺕ ﺍﻣﺮﺃﺓ ﻣﺴﺘﺘﺮﺓ كما عادة كل النساء في ﺗﻠﻚ ﺍﻷﻳﺎﻡ، ﻓﻜﻠﻤﺖ ﺍﻟﺸﻴﺦ ﺑﻜﻼﻡ ﻟﻢ ﻳﺴﻤﻌﻪ، ﻓﺘﻠﻔﺖ ﺍﻟﺸﻴﺦ ﺣﻮله ﻓﻠﻢ ﻳﺮ ﻏﻴﺮ ذلك التلميذ الجائع، ﻓﺪﻋﺎﻩ ﻭﻗﺎﻝ ﻟﻪ: ﻫﻞ ﺃﻧﺖ ﻣﺘﺰﻭﺝ ياولدي؟
فقاﻝ: ﻻ.
قال له: ﻫﻞ ﺗﺮﻳﺪ ﺍﻟﺰﻭﺍﺝ؟
ﻓﺴﻜﺖ.
ﻓﻘﺎﻝ ﻟﻪ ﺍﻟﺸﻴﺦ: ﻗﻞ ﻫﻞ ﺗﺮﻳﺪ ﺍﻟﺰﻭﺍﺝ؟
ﻗﺎﻝ: ﻳﺎ ﺳﻴﺪﻱ ﻣﺎ ﻋﻨﺪﻱ ﺛﻤﻦ ﺭﻏﻴﻒ ﻭﺍﻟﻠﻪ، فكيف ﺃﺗﺰﻭﺝ؟
ﻗﺎﻝ ﺍﻟﺸﻴﺦ: ﺇﻥ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻤﺮﺃﺓ أﺧﺒﺮﺗﻨﻲ ﺃﻧﻬﺎ ﻏﺮﻳﺒﺔ ﻋﻦ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺒﻠﺪ، وﺃﻥ ﺯﻭﺟﻬﺎ ﺗﻮﻓﻲ، وﻟﻴﺲ ﻟﻬﺎ ﻓﻲ هذه ﺍﻟﺪﻧﻴﺎ ﺇﻻ ﻋﻢ ﻋﺠﻮﺯ ﻓﻘﻴﺮ، ﻭﻗﺪ جاءت ﺑﻪ ﻣﻌﻬﺎ، وﺃﺷﺎﺭت ﺇﻟﻴﻪ قاعداً ﻓﻲ ﺭﻛﻦ الحلقة، ﻭﻗﺪ ﻭﺭﺛﺖ ﺩﺍﺭ زوجها، و تجارته، ﻭﻫﻲ تحب ﺃﻥ تجد رجلا يتزوجها ﻋﻠﻰ ﺳﻨﺔ ﺍﻟﻠﻪ ورسوله، ﻟﺌﻼ تبقى منفردة، فيطمع فيها الاشرار والفسقة، ﻓﻬﻞ ﺗﺮﻳﺪ ﺃﻥ ﺗﺘﺰﻭﺝ ﺑﻬﺎ؟
ﻗﺎﻝ: ﻧﻌﻢ.
ﻭﺳﺄﻟﻬﺎ ﺍﻟﺸﻴﺦ: ﻫﻞ ﺗﻘﺒﻠﻴﻦ ﺑﻪ ﺯﻭﺟﺎً؟
ﻗﺎﻟﺖ: ﻧﻌﻢ.
ﻓﺪﻋﺎ عمها، ﻭﺩﻋﺎ ﺑﺸﺎﻫﺪﻳﻦ ﻭﻋﻘﺪ ﺑﻴﻨﻬﻤﺎ، ﻭﺩﻓﻊ ﺍﻟﻤﻬﺮ ﻋﻦ تلميذه، ثم ﻗﺎﻝ ﻟﻪ: ﺧﺬ ﺑﻴﺪﻫﺎ، فأﺧﺬﺕ هي ﺑﻴﺪﻩ، وقاﺩﺗﻪ ﺇﻟﻰ بيتها، فاذا ﻫﻮ ﺍﻟﺒﻴﺖ ﺍﻟﺬﻱ ﻧﺰﻟﻪ منذ قليل، ﻓﻠﻤﺎ ﺩﺧﻠﺘﻪ ﻛﺸﻔﺖ ﻋﻦ ﻭﺟﻬﻬﺎ ﻓﺮﺃﻯ ﺷﺒﺎﺑﺎً ﻭﺟﻤﺎﻻ يسر الناظرين، فسأﻟﺘﻪ في دلال: ﻫﻞ ﺗﺄﻛﻞ؟
ﻗﺎﻝ: ﻧﻌﻢ.
ﻓﻜﺸﻔﺖ ﻏﻄﺎﺀ ﺍﻟﻘﺪﺭ ﻓﺮﺃﺕ ﺍﻟﺒﺎﺫﻧﺠﺎﻧﺔ المعضوضة!
ﻓﻘﺎﻟﺖ: ﻋﺠﺒﺎً ﻣﻦ ﺩﺧﻞ ﺍﻟﺪﺍﺭ ﻓﻌﻀﻬﺎ؟
ﻓﺒﻜﻰ ﺍﻟشاب، ﻭﻗﺺ ﻋﻠﻴﻬﺎ ﺍﻟﺨﺒﺮ، ﻓﻘﺎﻟﺖ ﻟﻪ: ﻫﺬﻩ ﺛﻤﺮﺓ ﺍﻷﻣﺎﻧﺔ، ﻋﻔﻔﺖ ﻋﻦ ﺍﻟﺒﺎﺫﻧﺠﺎﻧﺔ ﺍﻟﺤﺮﺍﻡ، ﻓﺄﻋﻄﺎﻙ ﺍﻟﻠﻪ ﺍﻟﺪﺍﺭ ﻛﻠﻬﺎ، ﻭﺻﺎﺣﺒﺘﻬﺎ ﺑﺎﻟﺤﻼﻝ.
"ﻣﻦ ﺗﺮﻙ ﺷﻴﺌﺎً ﻟﻠﻪ ﻋﻮﺿﻪ ﺍﻟﻠﻪ ﺧﻴﺮا ﻣﻨﻪ"، قاعدة إيمانية عظيمة تعني أن من يتخلى عن معصية، أو محبوب دنيوي طاعةً لله، وخوفاً منه، يُبدله الله ببديل أفضل، غالباً ما يكون طمأنينة في القلب، أو رزقاً حلالاً، أو خيراً في الآخرة.
هذا المعنى صحيح، ومثبت في الحديث الشريف "إنك لن تدع شيئاً لله عز وجل إلا بدلك الله به ما هو خير لك منه".
ويقول تعالى: "وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرا"... صدق الله العظيم.
إمام وخطيب
[email protected]