Abdulaziz_anjri@
في السياسات العامة، لا تُقاس قوة القرار بمدى صلابته في الاستمرار، بل بقدرته على التكيّف مع تحولات الواقع دون إنكار أو تهرّب.
المراجعة ليست اعترافاً بالخطأ، بقدر ما هي تعبير عن نضج مؤسسي، يدرك أن القرارات الكبرى وُلدت دائماً في سياق تاريخي محدد، وأن صلاحيتها ليست أبدية، ولا معزولة عن تبدّل المعطيات.
من هذا المنطلق، فإن ما أُثير حول إعادة تقييم المملكة العربية السعودية لبعض مشاريعها العملاقة، ينبغي قراءته ضمن منطق إعادة ضبط الأولويات الستراتيجية، في ضوء تحولات اقتصادية ومالية، وجيوسياسية، لم تكن قائمة عند إطلاق تلك المشاريع، قبل عقد تقريباً.
فالمشاريع العملاقة بطبيعتها تقوم على افتراضات طويلة الأمد: استقرار تدفقات الاستثمار، نمو الطلب العالمي، قابلية التمويل، وتوازن المخاطر. وحين تتبدل هذه الافتراضات، تصبح المراجعة واجباً حكيماً لا خياراً عابراً.
ولكن الإشكال الحقيقي ليس في مبدأ المراجعة، بل في ثقافة المكابرة التي ابتُليت بها كثير من الحكومات والمنظمات في منطقتنا العربية، حيث يتحول القرار إلى رمز هيبة لا يجوز المساس به، حتى لو ثبت عملياً أن كلفته تفوق عائده، أو أن شروط نجاحه تآكلت.
هذه الذهنية لا تُنتج سوى استنزاف الموارد، وتآكل الثقة، وتعميق الفجوة بين الخطاب والواقع. وفي بيئات كهذه، يصبح الاعتراف بالتعديل شجاعة نادرة، بينما يُكافأ الجمود تحت مسمى "الثبات على الموقف".
وهذا الانفصال بين القرار والواقع لا يحدث في الفراغ، بل يتغذّى من بيئة دولية متغيرة بسرعة تفوق قدرة المؤسسات الجامدة على الاستيعاب.
فالعالم اليوم مختلف جذرياً عن عالم ما قبل عشر سنوات: تشدد مالي عالمي، إعادة تسعير للمخاطر، تحولات في سلاسل الإمداد، ضغوط بيئية وتنظيمية متزايدة، وتراجع شهية رؤوس الأموال للمغامرات طويلة الأفق غير المضمونة العائد.
تجاهل هذه المتغيرات لا يصنع تنمية، بل يؤسس لفجوات هيكلية مؤجلة.
الدرس الأهم هنا أن الدولة القوية ليست تلك التي لا تتراجع، بل تلك التي تعرف متى تُعيد التقييم، قبل أن يتحول الخطأ إلى عبء مزمن.
المراجعة المبكرة تحمي الموارد، وتصون المصداقية، وتُبقي الستراتيجية حيّة وقابلة للتكيّف. وفي عالم سريع التقلب، تظل المرونة العقلانية أعلى قيمة من الإصرار الأعمى، مهما بدا هذا الإصرار في ظاهره صلابة، ومهما زُيّن لصاحبه أنه على حق؛ فالأرقام، في النهاية، لا تكذب.