منذ أن بادرت دولة الكويت إلى إقامة علاقاتها الديبلوماسية مع جمهورية الصين الشعبية في الثاني والعشرين من مارس عام 1971، رسخت الدولتان نموذجاً متقدماً للتعاون القائم على الاحترام المتبادل والرؤية الاستراتيجية بعيدة المدى بين بلدين جمعتهما الحكمة السياسية والتلاقي في المصالح التنموية، رغم تباعد الجغرافيا واختلاف السياقات الثقافية.
وعلى مدار أكثر من خمسة عقود، تطورت العلاقات الكويتية –الصينية من شراكة ديبلوماسية تقليدية إلى تعاون شامل ومتعدد الأبعاد، شمل السياسة والاقتصاد، والطاقة والبنية التحتية والتكنولوجيا والثقافة، ليجعل من الصين اليوم أحد أبرز الشركاء الستراتيجيين للكويت على الساحة الدولية.
وتحظى العلاقات الكويتية–الصينية بدعم مباشر من قيادتي البلدين، فقد أكد سمو أمير البلاد الشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح في أكثر من مناسبة حرص الكويت على تعزيز شراكتها الستراتيجية مع جمهورية الصين الشعبية، وتوسيع مجالات التعاون بما يخدم المصالح المشتركة، ويواكب متطلبات التنمية والاستقرار في المنطقة.
وفي المقابل، ينظر الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى الكويت بوصفها شريكاً موثوقاً ومهماً للصين في منطقة الخليج العربي، مؤكداً اهتمام بلاده بتعميق التعاون مع الكويت في مجالات الطاقة والبنية التحتية والتكنولوجيا، ودعم دورها المحوري ضمن مبادرة "الحزام والطريق".
ويعكس هذا التلاقي في الرؤى بين القيادتين السياسية في البلدين قاعدة صلبة لمستقبل العلاقات الثنائية، ويمنحها زخماً إضافياً للانتقال من مرحلة التعاون التقليدي إلى شراكة أكثر شمولاً واستدامة.
لذا تميّزت العلاقات السياسية بين البلدين بالثبات والتفاهم، حيث دعمت الكويت باستمرار مبدأ "الصين الواحدة"، فيما أكدت بكين في مختلف المحافل الدولية دعمها الكامل لأمن الكويت وسيادتها ووحدة أراضيها.
هذا التوافق السياسي أسهم في بناء ثقة عميقة انعكست إيجاباً على مجمل أوجه التعاون الثنائي.
على الصعيد الاقتصادي، تواصل الصين تصدرها قائمة أكبر الشركاء التجاريين للكويت، إذ بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين نحو 22 مليار دولار أميركي في عام 2023، مدفوعاً بشكل رئيسي بصادرات النفط الكويتي إلى السوق الصينية، إلى جانب تنامي الاستثمارات والمشاريع المشتركة.
وتشارك الشركات الصينية في تنفيذ عدد من المشاريع الستراتيجية داخل الكويت، من بينها مشاريع كبرى في البنية التحتية، والطرق، والإسكان، والاتصالات، إضافة إلى مساهمتها في نشر وتطوير شبكات الجيل الخامس (5G)، ما عزز مكانة الكويت كإحدى الدول الرائدة إقليمياً في مجال التحول الرقمي.
ويُعد مشروع "ميناء مبارك الكبير" أحد أبرز رموز الشراكة المستقبلية بين البلدين، فهو يمثل حلقة وصل ستراتيجية بين الخليج العربي ومبادرة "الحزام والطريق" الصينية.
ويُنتظر أن يسهم المشروع، عند اكتماله، في تحويل الكويت إلى مركز لوجستي وتجاري محوري، بما يتكامل مع رؤية "كويت 2035".
كما امتد التعاون بين الكويت والصين ليشمل مجالات التكنولوجيا المتقدمة، والاقتصاد الرقمي، والطاقة المتجددة، والبيئة، والذكاء الاصطناعي، إلى جانب تنامي برامج التبادل الثقافي والتعليمي، التي أسهمت في تعزيز التقارب بين الشعبين وترسيخ البعد الحضاري للعلاقة الثنائية.
ومع تولي السفير الصيني الجديد يانغ شين مهمات عمله الكويت، تدخل العلاقات بين البلدين مرحلة جديدة تتسم بمزيد من الزخم والانفتاح على آفاق أوسع من التعاون، في ظل توافق الرؤى بين "رؤية الكويت 2035" وستراتيجيات التنمية الصينية، وما تحمله من فرص واعدة للشراكة والاستثمار المشترك.
العلاقات الكويتية–الصينية ليست مجرد أرقام أو اتفاقيات، بل هي مسيرة طويلة من الثقة والاحترام والتكامل الاستراتيجي. ومع مرور أكثر من نصف قرن على انطلاقها، تواصل هذه العلاقة ترسيخ مكانتها كنموذج ناجح للتعاون بين الشرق الأوسط وآسيا، وقاعدة صلبة لبناء مستقبل مشترك يخدم مصالح البلدين والشعبين الصديقين.
كاتب مصري