يخطئ من يختزل أزمة التعليم في ضعف المناهج، أو كفاءة المعلم أو جودة المدرسة. فهذه، في جوهرها، مظاهر لا أسباب، أما الأزمة الحقيقية فهي أعمق من ذلك؛ إنها أزمة معرفة، ومعنى ووعي، وأزمة فهم الإنسان لذاته، و للعالم من حوله.
فحين يفقد التعليم قدرته على ترسيخ هذه الأبعاد في العقل، يتحول إلى عملية تقنية لإنتاج الشهادات لا العقول، وإلى مسار وظيفي ضيق، لا مشروع حضاري شامل.
التعليم، بوصفه محركاً رئيسيًا للتنمية، يفقد جوهره حين يُفرَّغ من محتواه المعرفي. وعندما تُستبدل المعرفة العميقة بمعرفة سطحية مجزأة، تُقاس بالاختبارات لا بالتحليل، وبالحفظ لا بالفهم، يصبح التعليم أداة للتكيف مع الواقع بدل فهمه وتطويره.
وعندها يزداد المتعلمون عدداً، بينما يضمُر أثرهم في الوعي والتنمية، وتصبح الخسارة مضاعفة؛ إنفاق كبير على تعليم لا يُنتج أثراً معرفياً حقيقياً.
إن أزمة التعليم ليست أزمة مبانٍ أو تقنيات، بل أزمة معنى وفهم متعمق في كنه الذاتي والموضوعي. جوهرها يكمن في انفصال التعليم عن بناء الوعي، وتحوله من فضاء للتساؤل إلى منظومة للإجابات الجاهزة، ومن عملية لتشكيل عقل مفكر إلى آلية لتكديس المعلومات.
وبدل أن يكون الطالب ذاتاً مفكرة قادرة على الربط والتحليل، يتحول إلى وعاء للحفظ، يُفرغ ما فيه في الاختبارات، دون أن يمتلك القدرة على توظيفه في فهم ذاته، ومجتمعه، وعالمه.
وفي هذا السياق، أُفرغت المناهج من بعدها المعرفي العميق، وأصبحت تُقاس بما يُسترجع منها لا بما يُبنى بها. فلم يعد التعليم يحرر الإنسان من الجهل، بل جعله يتكيف مع جهلٍ مغطى بطبقة كثيفة من المعلومات المجزأة، بلا إطار فكري يمنحها المعنى والاتساق.
وساهم التركيز المفرط على ربط التعليم بسوق العمل في تعميق الأزمة. فهذه العلاقة، حين تُطرح بصورة سطحية، تُحوّل التعليم من مشروع لبناء الإنسان إلى مجرد أداة للوظيفة.
وهنا تتسع الفجوة بين المعرفة الوظيفية التي تُعد الفرد للعمل، والمعرفة الحضارية التي تُعده للحياة.
الأولى تُعلمه كيف يعمل، أما الثانية فتُعلمه لماذا يعمل، وكيف يفكر، وكيف يبني ذاته ومجتمعه، وكيف يكون قادراً على مساءلة الواقع لا التكيف السلبي معه.
وقد كشفت الثورة الرقمية سطحية معادلة (التعليم/سوق العمل) أكثر من أي وقت مضى. فالمعلومة اليوم متاحة للجميع وبأقصى سرعة، لكن المشكلة لم تعد في الوصول إليها، بل في القدرة على فهمها وتحليلها ونقدها.
نحن نعيش وفرة معلومات تقابلها ندرة في الفهم، وهو ما يعكس عدم قدرة التعليم في بناء العقل القادر على التعامل مع المعرفة، وتحوله إلى سلعة في سوق العمل.
وترتبط أزمة التعليم ارتباطاً وثيقاً بأزمة التنمية. فالنظام التعليمي الذي لا يرسخ المعرفة العميقة يعجز عن إنتاج عقول قادرة على صياغة حلول مستدامة لمشكلات المجتمع. ويظل المتعلم أسير نماذج جاهزة لا تنتمي إلى سياقه، الثقافي والاجتماعي، ولا تعبر عن احتياجاته التنموية الحقيقية.
لا يمكن لأي مجتمع أن ينهض بتعليم لا يُنتج معرفة حقيقية، ولا يمكن لأي مشروع حضاري أن يقوم على عقول مُثقلة بالمعلومات، لكنها عاجزة عن الفهم.
فالتعليم الذي لا يحرر العقل ويطلق طاقاته الفكرية يعيد إنتاج التخلف، وإن بدا في صورة أكثر تهذيباً وتنظيماً.
من هنا، تصبح إعادة تعريف التعليم كمشروع معرفي ضرورة حضارية. تعليم يُنمّي التساؤل، ويُعيد الاعتبار للعلوم الإنسانية، ويُعلّم الإنسان الغوص في المعنى لا الاكتفاء بسطح المعلومة. فالتنمية لا تُصنع بالعقول المدرَّبة فقط، بل بالعقول الواعية.
ومهمة التعليم الحقيقية أن يُعلّم الإنسان كيف يفكر ويفهم، لا كيف يحفظ ويكرر، أن يُعينه على فهم ذاته والعالم، لا مجرد اجتياز الاختبارات والحصول على الشهادات.
المدير العام السابق للمعهد العربي للتخطيط