الإنسان ينتمي إلى الأرض، بقدر ما هي تنتمي إلى أهلها، لذا فإن الإجراءات السيادية مهما كانت قاسية، فهي من الرحمة ما يفرض على الجميع أن يترك الأمر إلى صاحب الأمر، والحكومة مجتمعة، وحتى في موضوع الجنسية، فهذا شأنها، إذا وجدت ما يشوبها عملت على إصلاحه، على ألا يُظلم أحد.
لكن في المقابل، ثمة البعض حسبوا أنفسهم فوق المحاسبة، فاستخدموا وسائل التواصل الاجتماعي لبث سمومهم غير عابئين بمشاعر الناس، فيما لو أصاب أحدهم ما يعكر عليه صفو حياته، طلب العون والدعاء من الناس، ناسياً أن الحكمة الأبدية هي "كلّ ساقٍ سيُسقى بما سقى".
في ملف الجنسية الحساس، كما قلنا، فإن الشعب ترك الأمر إلى ولي الأمر، ومجلس الوزراء، ولعل الله يُخرج الجميع من هذه الأزمة، لكن لا بد من التوقف عند الكثير مما ينشر في وسائل التواصل الاجتماعي، لا سيما من يتندّرون ويسخرون، ويمسّون بسمعة الذين سُحبت جنسياتهم، بلهجة شامتة، وكأن لهم ثأراً عليهم.
صحيح أن حرية الرأي مكفولة، لكن هناك ضوابط لها، ومشاعر الناس ليست سلعة تباع وتشترى، بل ليس من حق أحد أن يلمز بهذا ويغمز من قناة ذاك.
إن هؤلاء الذين اتُّخذت إجراءات ضدهم، كانوا إلى الأمس القريب مواطنين لهم كامل الحقوق، مثل أي كويتي آخر، ولديهم أبناء وأحفاد ولهم مشاعر، وغالبيتهم خدموا هذا البلد، بل إن بعضهم دفع حياته من أجله، وبعضهم ترك بصمة في تاريخ الوطن، لذا فإن الشماتة ليست من الإنسانية بشيء، وليس لأحد أن يمس بكرامتهم، لذا من الواجب على الأجهزة المعنية معالجة هذا الأمر، وقطع دابر الذين يعكرون الاستقرار الاجتماعي.
نعم، ثمة عدد كبير من الذين اتُّخذت إجراءات ضدهم، لا أرض لهم غير هذا الوطن، واليوم ازداد عدد "البدون"، ما يعني، كما قلنا سابقاً مرات عدة، لا بد من وجود حل لهم، إما بمنحهم هويات جديدة يستطيعون من خلالها السعي في بلاد الله الواسعة لتصحيح وضعهم، أو الحصول على جوازات سفر من تلك الدول التي نُسبوا إليها، أو تجد الدولة مخرجاً لهم، من أجل تخفيف العبء عنهم من جهة، ومن جهة أخرى رفع الحمل عنهم.
نعم، لا أحد يناقش في الإجراءات السيادية، لكن في المقابل، نكرر القول، على الأجهزة المعنية لجم من ينفخ في الكير، وكأنهم وحدهم من يحامي عن القرارات السيادية، لكن بطريقة فيها الكثير من سفاهة في القول، وتجريح في الناس.
لا شك أن لا أحد من المسؤولين يرضى بهذا، فلدينا رجال دولة، في قمة الهرم السيادي والتنفيذي، ولهم نظرة إنسانية، وكذلك عليهم مسؤولية كبيرة ومصيرية، وعلى هذا الأساس فهم يرفضون المسّ بسمعة الناس، أياً كان وضعهم، ولأن المرء لا يحاسَب على ما هو خارج عن إرادته، فإن الكرامة الإنسانية تبقى محفوظة للمتهم، حتى لمن يقبع في السجن، يُحظر التشهير به.
إن لجم هؤلاء الذين يستخدمون تلك الوسائل للمسّ بالذين يمرون بضيقة، مثل سحب الجنسية، بات ضرورة، لأنهم لا يعبرون عن أصالة الكويتيين، ولا ثقافة أهل الديرة، ولا العادات والتقاليد التي دُرج عليها المجتمع الكويتي منذ أربعة قرون.
لقد وجب لجمهم، لأنهم يمسون بسمعة الكويت في الخارج، ولهذا نترك الأمر إلى النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء، ووزير الداخلية، الشيخ فهد اليوسف، حتى لا يستمر هؤلاء في نفخ كير البغضاء بين الناس.