الأربعاء 29 أبريل 2026
24°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
إيقاع لم يعزفه قلبك
play icon
كل الآراء

إيقاع لم يعزفه قلبك

Time
الثلاثاء 03 فبراير 2026
فاطمة ناصر المزيعل
مرايـا الروح

في مجتمعٍ تتزاحم فيه الأصوات، وتتشعّب الحكايات، اصبح للأسف صون نقاء البصيرة فعلاً نادراً من الشجاعة الصامتة،

ليس كل ما يُقال حقيقة، ولا كل ما يُروى يستحق أن يُصدّق.

وإن أخطر ما قد يُبتلى به الإنسان هو أن يُسلم عقله لغيره، فيُفكر بضمير سواه، ويحب ويكره على إيقاع نغمةٍ لم يعزفها قلبه.

إننا حين نسمح للآخر أن يغسل عقولنا من نقائها، ويصبغها بألوان ما يختلج في صدره، نغدو أسرى في مملكة أوهامه. نُثقل أرواحنا بـما لا يخصّنا من عتمته وبسواد نواياه، وكأنه وِزرٌ كُتب علينا، ونخاصم من يعاديه، كأن الإساءة وُجِّهت إلينا، وهكذا نفقد أبسط حقوقنا الروحية: ألا وهي حقّ النظر بعيننا لا بعين أحد، وحقّ الحكم من تجربتنا نحن، لا من رواية مشحونة بالتوتر والانفعالٍ الأعمى.

القلوب التي تُستعار أحكامها لا تعرف السلام. إنها قلوب مُثقلة بضغائن لا تخصها، وملوّثة بآراءٍ وُلدت في الذهن، ولم تنضج في ميدان الواقع. فما أقسى أن تُظلم نفسٌ طيبة لأنك استمعت لمن جهلها، أو أن تُهجر روحٌ نقية، لأن غيرك فشل في التفاهم معها. هذا وقد لا يكون ما بلغك حقيقةً كما ظننته، بل تشويهاً متعمّداً لوجوهٍ بريئة، نسجته قلوبٌ حاقدة، وألسنٌ اعتادت الخبث حين تعجز عن النقاء.

اشخاصٍ لم يقترفوا ذنباً، وكانت سرائرهم أنقى من أن تُدان، ونواياهم أصدق من أن تُشوَّه. لم يخذلوا أحداً، ولم تصدر عنهم زلّة، لكنّ اولئك اصحاب القلوب المكدودة، لأنهم لم يعتادوا نقاء القلوب ابداً، فيصبح ثقيلاً عليهم، لذلك تجدهم يحاربونه بدلاً من أن يُصلحوا مافي داخلهم!

ويسعون لإطفائه، ويزرعون في الطرقات ظنوناً، وفي القلوب نفوراً، هرباً من مواجهة ذواتهم، وخوفا من أن تنكشف حقيقتهم العارية، فصفاء البعض احياناً يكون مرآةٌ قاسية، تُظهر ما حاولت قلوبهم المظلمة طمسه طويلا.

فكن نقياً في حُكمك، كما تكون نقياً في نيتك. لا تُسلم قلبك لكلّ همسٍ يطرق سمعك، ولا تجعل مشاعر غيرك تصوغ وجدانك. الناس مرايا متعدّدة، وبعضها غائم لا يُظهر إلا صورته هو. فكن أنت مرآتك الأولى، وانظر بعين العِشرة والمخالطة، فالحقيقة لا تُستقى من الأحاديث المتناثرة، ولغط القيل والقال، بل من صفاء المعايشة.

كما أن الحياة أوسع من أن تُختصر في رواية مأزومة متحيّزة، وأعمق من أن تُحكم عليها بشهادة مجروحة او مزيفة. جرّب بنفسك، اقترب بعقلك، ثم احكم بقلبٍ عادل. فالله لم يمنحك فكرك لتكون صدى، بل لتكون بصيرة.

إنّ أسمى تجلّيات الحرية لا تُقاس بما يُقال في مسارح الكلام، بل بما يُصان في الداخل، حين تتحرر من وصاية العقول المأجورة والمشاعر المستعارة. هناك فقط يبدأ الإنسان الحقيقي: حين يفكر لنفسه، ويشعر لنفسه، ويختار بصدقٍ نابعٍ من قلبه. فاحذر أن تكره دون أن تُفكّر، أو تبتعد دون أن تتبيّن. لأن الكراهية الموروثة سمٌّ يتسلل إلى الروح، يطمس نورها ويشوّه بصيرتها. لا تسمح لأحدٍ أن يزرع فيك ظلاله، كن شمس نفسك، وامنح الدفء لمن يستحق، والضوء لما يستحق أن يُرى.

كاتبة كويتية

آخر الأخبار