الأحد 08 فبراير 2026
18°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
مستقبل الحوكمة العالمية وإنقاذ الأمم المتحدة
play icon
كل الآراء

مستقبل الحوكمة العالمية وإنقاذ الأمم المتحدة

Time
الثلاثاء 03 فبراير 2026
د.رندا دياب بهمن

خلال الأشهر الأخيرة، لم تعد أزمة الحوكمة العالمية مسألة نظرية تُناقش في بيانات ديبلوماسية مغلقة، بل تحوّلت إلى موضوع علني يتداوله الرأي العام العالمي بوصفه أزمة شرعية حقيقية. في قلب هذا التحوّل، برز الإعلان عن تأسيس ما يُعرف بـ"مجلس السلام" كمؤشر رمزي على أن العالم بدأ يفكّر بصوت عالٍ في بدائل للمنظومة الأممية القائمة، حتى قبل أن يتّضح الدور الفعلي لهذا المجلس أو آلياته.

المبادرة لا تحمل صفة قانونية دولية، ولا تزال في إطارها الرمزي والإشاري، لكنها تعكس حقيقة أعمق: تآكل الثقة في قدرة الأمم المتحدة على أداء دورها بوصفها المنصة الحصرية لحفظ السلم والأمن الدوليين.

والمفارقة البارزة أن هذا المجلس تأسس،بمبادرة من الدولة نفسها، التي تستخدم سلطة النقض عادة لإجهاض معظم محاولات السلام والتشريعات الدولية، لا سيما في منطقة الشرق الأوسط.

هذا التناقض الصارخ بين تعطيل السلام في الإطار الأممي، والترويج له عبر إطار موازٍ، لم يمرّ من دون انتباه عالمي. فقد جاء الإعلان في وقت يزداد فيه الغضب الدولي إزاء عجز المنظومة الأممية عن اتخاذ قرارات تنفيذية لمعالجة الأزمات الإنسانية، والنزاعات في مناطق مختلفة من العالم، ومع استمرار الشلل الذي تفرضه توازنات القوة وسلطة النقض.

لم يعد السؤال اليوم: لماذا لم تتحرك الأمم المتحدة، بل: ماذا يحدث عندما تفقد مؤسسة دولية شرعيتها، الأخلاقية والسياسية، في نظر شعوب العالم؟

رغم الدور التاريخي للأمم المتحدة في ترسيخ خطاب الأخلاقيات، والاستدامة، وحقوق الإنسان، فإن آليات صنع القرار فيها لا تزال متجذّرة في إطار صُمّم لعالم ما بعد الحرب العالمية الثانية، لا لعالم تتشابك فيه الأزمات وتتسارع فيه المساءلة الرقمية، وتنهار فيه الروايات الرسمية، تحت ضغط الرأي العام العالمي.

فكرة منح سلطة النقض لدول بعينها، إلى جانب غياب أي مساءلة تلقائية للدول التي تنتهك اتفاقيات المنظمة، تعكس نظاماً لم يُبنَ لتلبية متطلبات اليوم ولا توقّعات الغد.

في هذا السياق، تتصاعد أصوات تطالب بإصلاح يتجاوز التجميل المؤسسي. فقد دعا رئيس كولومبيا سابقاً أمام الجمعية العامة إلى نقل مقر الأمم المتحدة من نيويورك إلى مدينة أخرى خارج الولايات المتحدة، متسائلاً عن مدى حياد منظمة تظل مرتبطة جغرافياً وسياسياً بدولة واحدة. وأكّد أن "التعددية الحقيقية تبدأ من المكان، لا من الشعارات"، في إشارة رمزية إلى أن إصلاح الحوكمة العالمية لا يمكن أن يكون شكلياً أو لغوياً فقط، بل بنيوياً ورمزياً في آن.

في جميع أنحاء العالم، يتزايد الضغط، الشعبي والسياسي، على الأمم المتحدة للالتزام بالمعايير التي تضعها هي نفسها للمجتمع الدولي. هذه المطالب لم تعد محصورة في أروقة الديبلوماسية، بل امتدت إلى سلوكيات اجتماعية واقتصادية، من مقاطعات استهلاكية عالمية إلى مطالب بفرض قيود رياضية وثقافية على الكيان الصهيوني الذي انتهك تقريباً كل معاهدة دولية وأخلاقية معروفة. هذا التحوّل يعكس وعياً متزايداً بأن الامتيازات الهيكلية والعقبات الإجرائية لم تعد مجرد عيوب تقنية، بل أصبحت عوائق أخلاقية تهدد مصداقية المؤسسة نفسها.

الأخطر أن الأجيال الناشئة، الواسعة الاطلاع، المتصلة رقمياً، والأقل تسامحاً مع النفاق المؤسسي، لم تعد تقبل حوكمة دولية تُفضّل دولاً أعضاء بعينها، أو تسمح بالتقاعس المنهجي. شرعية المؤسسات الدولية باتت تُقاس اليوم بقدرتها على الاستجابة السريعة والعادلة، لا بتاريخها ولا بخطابها الرمزي.

وإذا بقيت آليات الأمم المتحدة دون تغيير، فإن عواقب ذلك ستُعاد صياغتها من خارجها، عبر أطر موازية مثل "مجلس السلام" أو غيره من المبادرات التي تملأ فراغ العجز الأممي.

ولكي تتماشى الأمم المتحدة مع المستقبل الذي تدّعي التخطيط له وخدمته، يجب أن تتطور هياكلها جذرياً. إصلاح سلطة النقض، إدخال مساءلة قابلة للتنفيذ عن الانتهاكات، وتعزيز صوت الدول الصغيرة والمهمّشة، لم تعد مطالب أخلاقية فقط، بل شروط بقاء مؤسسي. لم يعد المستقبل ينتظر.

وإذا لم تُثبت الأمم المتحدة أن التزامها بالمعايير العالمية يقترن بنظام قادر على تحقيقها، فإن مصداقيتها وأهميتها ستُعاد صياغتهما من قِبل عالم لم يعد مستعداً لقبول حوكمة بآليات بالية ولا بشرعية معلّقة على خطاب لا يُترجم إلى فعل.

باحثة في العلوم الاجتماعية

آخر الأخبار