السبت 14 فبراير 2026
24°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
حين يصبح التوثيق ضرورة...لا سوء ظن
play icon
كل الآراء

حين يصبح التوثيق ضرورة...لا سوء ظن

Time
الأربعاء 04 فبراير 2026
فهد الرفاعي

لم يكن يشكّ في أحد. كان يؤمن أن حسن النية يكفي، وأن الثقة تغني عن كل احتياط. قال لنفسه إن العلاقات تُبنى على الأخلاق لا على الإثبات، وإن الحذر قد يفسد الود. وحين وقعت المشكلة، لم يجد ما يدافع به عن حقه سوى ذاكرته... والذاكرة لا تقف شاهداً في قاعات العدالة.

كثيرون يشبهونه. نُحسن الظن، ونُؤجل الحذر، ونخلط بين الثقة وترك التوثيق. نعتقد أن الخلافات بعيدة، وأن القلوب ثابتة، والنهايات عادلة. لكن الواقع يُخبرنا، مراراً، أن الحقوق لا تُحفظ بالنوايا وحدها، وأن العدالة تحتاج دليلاً قبل أن تحتاج إلى سرد واقع.

في حكاية لم تُذكر فيها الأسماء، ضاعت حقوق أطرافها، لأن الحقيقة لم تكن موثّقة.

ولا شاهد على ما يُثبت حدوثها. كل طرف امتلك روايته، وكلها بدت متماسكة، لكن القانون لا يبني أحكامه على إحساس، بل على إثبات. أُغلقت الملفات، وبقيت الحقيقة حبيسة الأدراج، لا لأنها غير موجودة، بل لأنها لم تُوثق.

حين نتحدث عن الكاميرات اليوم، فإننا لا نتحدث عن التجسس أو انتهاك الخصوصية، بل عن مفهوم أوسع يُسمّى "السلامة". السلامة في الطرقات، في المرافق العامة، في السيارة، في العمل، في الشاليه. توثيقٌ يُقصد به الحماية لا التعدّي، وحفظ الحقوق لا التشهير.

وسائل التوثيق لم تُعد ترفاً تقنياً، بل ضرورة واقعية في عالم تتداخل فيه المصالح وتكثر فيه الادعاءات. كم من حادث حُسم بلقطة واحدة، وكم من خلاف انتهى بحقيقة واضحة، وكم من مظلوم استعاد حقه لأن الدليل كان حاضراً في اللحظة المناسبة؟

اللافت أن كثيراً من القضايا لا تُحسم لأنها كاذبة، بل لأنها غير مُثبتة وغير واضحة. الحقيقة قد تكون موجودة، لكنها بلا صوت. وعندما يغيب الإثبات، يصبح العدل عاجزاً، مهما كانت النوايا صادقة.

الحقيقة قد تبدو غائبة، لكن جوهرها حاضر. فالقضية ليست "أين نضع الكاميرا"، بل متى ندرك أن أكثر المساحات التي نظنها أماناً قد تتحول إلى موضع خلاف إذا تغيّرت القلوب أو أُسيء الفهم، أو تغيرت المبادئى وتبدلت النفسيات.

الخصوصية قيمة، لكنها لا تتعارض مع السلامة حين تُمارس بوعي أخلاقي وإطار قانوني.

الحذر لا يعني الشك، والتوثيق لا يعني سوء الظن. وانما هو اعتراف إنساني بأن البشر يتغيرون، والذاكرة تخون، والعدالة تحتاج ما تستند عليه، التوثيق شاهد صامت، لا ينحاز، ولا يتأثر بالعاطفة، لكنه يحفظ الحقيقة كما هي.

في النهاية، حفظ الحقوق مسؤولية شخصية ومجتمعية قبل أن يكون إجراءً قانونياً. من يترك حقوقه بلا توثيق، يراهن على حسن النهاية، والحياة لا تُدار بالرهانات.

وحين نفهم أن التوثيق ليس إساءة ثقة، بل احتراماً للحق، ندرك أن التوثيق أحياناً ليس خياراً… بل ضرورة لا سوء ظن.

كاتب في الشأن الأسري والنفسي

آخر الأخبار