قصص إسلامية
سأحدِّثكم عن السلطان العصبي، المعتد بنفسه، محمد جلال الدين الخوارزمي، وكيف أبيدت دولته بسبب قراراته وعنجهيته.
حادثة مقتل التجار المغول في مملكة خوارزم تُعرف تاريخياً بـ"حادثة أُترار"، وكانت الشرارة التي أشعلت الغزو المغولي الكاسح.
في أوائل القرن السابع الهجري (نحو 1218ميلادية)، كان جنكيز خان قد وحّد قبائل المغول وأسّس دولة قوية، وبدأ يميل إلى التجارة والعلاقات السلمية مع جيرانه، ومنهم الدولة الخوارزمية التي كان يحكمها علاء الدين محمد بن خوارزم شاه.
أرسل جنكيز خان قافلة كبيرة من التجار المغول والمسلمين محمّلين بالبضائع، قاصدين أراضي خوارزم للتجارة لا للحرب. عندما وصلت القافلة إلى مدينة أُترار (مدينة حدودية مهمة)، كان واليها إينالچق (أو غاير خان)، قد اتهم التجار بأنهم جواسيس، مع أن المصادر التاريخية تميل إلى أن التهمة كانت ذريعة، صودرت أموال القافلة، وقُتل معظم التجار، نجا واحد أو اثنان فقط ونقلوا الخبر لجنكيز خان، والأخطر من ذلك: أن الوالي لم يتصرف وحده، بل استأذن خوارزم شاه، الذي وافق على القتل.
جنكيز خان، رغم غضبه، حاول تجنّب الحرب، فأرسل سفراء رسميين إلى خوارزم شاه، يطالبون بـتسليم الوالي إينالچق وتعويض الخسائر ومعاقبة المسؤولين، لكن خوارزم شاه، قتل أحد السفراء، وحلق لحى الآخرين، وأعادهم مهانين، وفي عرف المغول، بل في الأعراف الدولية قديماً، قتل الرسل إعلان حرب صريح، فكانت النتيجة الكارثية، عندها قال جنكيز خان عبارته الشهيرة: "الآن عرفتُ أن الحرب قد كُتبت"، وكانت النتيجة اجتياح مغولي شامل (1219–1221م)،تدمير مدن عظيمة: بخارى، سمرقند، مرو، نيسابور، سقوط الدولة الخوارزمية خلال سنوات قليلة، ومقتل الملايين، وانهيار حضارة كاملة.
الخلاصة: مقتل التجار لم يكن مجرد حادث عابر، بل خطأ سياسي جسيم، وسوء تقدير لقوة المغول، واستهانة بقواعد الديبلوماسية، وكان من أكبر الأسباب التي فتحت أبواب العالم الإسلامي أمام الإعصار المغولي.
لقد جاء قائد التتار جنكيزخان بجيشه الكبير في الهجمة الأولى لغزو مملكة خوارزم شاه، وخرج له محمد بن خوارزم بجيشه أيضاً، وكان هذا في سنة 616هجرية، أي: بعد ثلاث عشرة سنة فقط من قيام دولة التتار، فتلك الدولة بدأت في منغوليا في جزء صغير جداً منها، ولم تأت سنة 616، إلا وكانت قد احتلت تقريباً كل شرق آسيا، ولم يبق غير الدولة الخوارزمية.
التقى جيش التتار مع الجيش الخوارزمي في شرق الدولة، أو في غرب الصين، واستمرت الحرب أربعة أيام متصلة في شرق نهر سيحون، المعروف حاليا بنهر سرداريا، فقتل من الفريقين الكثير، ثم تحاجز الفريقان، ثم انسحب محمد بن خوارزم، بعدما وجد أن أعداد التتار هائلة.
وقد كان من طبيعة شخصيته أنّه حاد الطباع، عصبياً، مغروراً، ومتسرّعاً في اتخاذ القرارات من غير دراسة عواقبها، مما جعل وضعه السياسي منفصلاً ومعادياً للخلافة العباسية في العراق، ولغيرها من الممالك الإسلامية، فلم يكن على وفاق مع الأتراك، ولا مع السلاجقة، ولا مع الغوريين في الهند، تلك الدول الإسلامية القوية في ذلك الوقت، لهذا كانت مملكته معزولة ومكروهة عن بقية ممالك العالم الإسلامي، لم يترك صديقاً له، مما جعله وحيداً في مواجهة الغزو التتاري.
أما جنكيز خان فقد جهز جيشه من جديد، واخترق كازاخستان حتى وصل إلى مدينة بخارى فحاصرها، ثم طلب من أهلها التسليم على أن يعطيهم الأمان، فاحتار أهلها ماذا يفعلون، ثم ظهر رأيان: الرأي الأول نقاتل التتار وندافع عن مدينتنا، الرأي الثاني نأخذ الأمان ونفتح الأبواب للتتار؛ لتجنب القتل.
وهكذا انقسم أهل البلد إلى فريقين، واكن الفريق من المستسلمين، الأكبر في المدينة، قرروا فتح أبوابها، والاعتماد على أمان التتار، ودخل جنكيز خان إلى المدينة الكبيرة، وأعطى أهلها الأمان فعلاً؛ وذلك حتى يتمكن من السيطرة على المجاهدين في القلعة الكبيرة، وبدأ في حصارها، وأمر أهل المدينة من المسلمين أن يساعدوه في ردم الخنادق حول القلعة؛ فأطاعوه، واصطفوا مع التتار بمحاربة شعبهم. ولا تستغربوا ذلك الاصطفاف، فنحن نرى كثيراً من جيوش المسلمين يتحالفون ويحاربون مع أعدائهم ضد إخوانهم المسلمين، فحوصرت القلعة 10 أيام، ثم فتحت عنوة، ولما دخلها جنكيز خان، قتل من فيها، وهنا بدأ في خيانة عهده، فسأل أهل المدينة عن ثرواتها وكنوزها وأموالها وذهبها وفضتها، واصطفى كل ذلك لنفسه، ثم أحل المدينة المسلمة لجنده، ففعلوا فيها ما لا يتخيله عقل.
يقول ابن كثير، رحمه الله، "في البداية والنهاية" مصوراً ما فعله التتار في بخارى"فقتلوا من أهلها خلقاً لا يعلمهم إلا الله عز وجل، وأسروا الذرية والنساء، وفعلوا مع النساء الفواحش في حضرة أهليهن".
وهكذا هلكت بخارى واندثرت بعدها مملكة خوارزم في سنة 616هجرية.
إمام وخطيب
[email protected]