صدور مرسوم بتعديلات وزارية جديدة خطوة تُحترم، لكنها، وبكل وضوح، لا تكفي إذا ظلت محصورة في تبديل الأسماء دون تبديل المنهج، وتغيير الوجوه دون إعادة بناء الفكرة التي تُدار بها الدولة.
التجارب علمتنا أن التعديل الوزاري لا يصنع إصلاحاً بذاته، وأن الدولة لا تُدار بالمسكنات، ولا تُبنى بردود الفعل، بينما المواطن في أسفل الهرم يئن تحت وطأة الغلاء، والديون، والسكن،والإيجارات، وارتفاع الأسعار، ومتطلبات حياة لم تعد تُحتمل.
وهنا نصل إلى جوهر الأزمة: الحوكمة. فالمال بلا حوكمة يتحول إلى أرقام بلا أثر، والثروة بلا عدالة تُنتج احتقانا لا تنمية، والقرار بلا شفافية يفقد ثقة الناس قبل أن يحقق أي إنجاز.
الحوكمة ليست ترفاً إدارياً، بل هي الضمانة الوحيدة لأن تُدار موارد الدولة بعقل، وأن يصل الخير إلى المواطن لا أن يتبخر في دهاليز البيروقراطية.
نسمع عن توسّع في الصناعات البترولية، وعن زيادة الحصة اليومية للإنتاج، وربما نقترب من ثلاثة ملايين برميل يومياً، ونقرأ عن صناديق سيادية، يُقال إن قيمتها تجاوزت التريليون دولار. ولم يصدر من الجهات المسؤولة عنها أي بيان رسمي بقيمتها، وأين تستثمر؟
وعلى أسوأ الفرضيات، ومع هبوط سعر البرميل إلى 60 دولاراً فقط، (والبرميل ربما سيصل الى 80 و90 بل 100 دولار) نحن نتحدث عن نحو 66 مليار دولار (أي 20 مليار دينار كويتي) سنوياً من النفط وحده؛ تدخل خزينة الدولة كل عام، وبعد ذلك يُطلب من المواطن شدّ الحزام، بينما الحزام أصلاً لم يعد يضيق.
ولهذا تحديداً، طرحنا في كتابنا عن الاستثمار الداخلي سؤالاً لا يقل أهمية: لماذا تبقى معظم ثرواتنا مُهاجرة خارج حدود الاقتصاد المحلي، بينما الداخل يئن؟
ومن هنا جاءت الدعوة إلى إنشاء جهاز الاستثمار الداخلي؛ جهاز سيادي وطني، تكون مهمته توجيه جزء من الفوائض المالية إلى الداخل: في الإسكان، والبنية التحتية، والصناعة، والزراعة، والمشاريع الصغيرة، وتمكين الشباب.
جهاز لا ينافس القطاع الخاص بل يُمكّنه، ولا يزاحم المواطن، بل يرفع عنه الكلفة، ويحوّل الثروة من أرقام في تقارير إلى أثر ملموس في حياة الناس.
فالاستثمار الحقيقي ليس فقط في الأسواق العالمية، بل في استقرار المواطن، وقدرته على العيش الكريم، وبناء مستقبل داخل وطنه، لا خارجه.
لكن السؤال الصريح الذي لا يجوز تجاهله: كل هذه الأموال...لمن،
للمواطن الذي لا يكفيه راتبه آخر الشهر، للمتقاعد الذي خدم وطنه عمراً ثم لا يستطيع شراء سيارة لأبنائه بعدما كبروا؟
للشاب صاحب المشروع الصغير الذي يحلم بالاستمرار، لكنه يُخنق بالإيجارات وغلاء التشغيل وقلة العمالة؟
الإصلاح الحقيقي لا يبدأ من المكاتب، بل من إحساس المواطن أنه على رأس الهرم لا تحته، وأن الدولة موجودة لتحميه لا لتُرهقه.
ومن هنا، فإننا بحاجة (كما طرحنا في البديل الستراتيجي) إلى وزارات جديدة برؤية مختلفة، لا تُكرر القديم بل تكسر الجمود:
وزارة الزراعة والأمن الغذائي: أهميتها في تأمين غذاء الوطن، وتقليل الاعتماد على الخارج، وتحويل الأمن الغذائي من شعار إلى سياسة سيادية تحمي الدولة في الأزمات. وزارة الحوكمة والأداء الحكومي: تكون العين الرقابية على الأداء، تضع مؤشرات قياس حقيقية، وتربط الميزانيات بالنتائج، وتحاسب المقصّر وتكافئ المجتهد بشفافية.
وزارة التحول الرقمي والخدمات الذكية: ليست للمنصات الشكلية، بل لإعادة هندسة الإجراءات، تقليص الفساد، تسريع الخدمات، وربط البيانات لتصبح الدولة ذكية لا ورقية.
وزارة التخطيط والتنمية المستدامة: تنتقل بالدولة من إدارة اليوم إلى صناعة المستقبل، وتربط المشاريع برؤية واضحة، وتقيس الأثر الاقتصادي والاجتماعي والبيئي لكل قرار.
وزارة الموارد والتنمية البشرية: تدير رأس المال البشري بعدالة، توحد معايير التوظيف والترقية، وتربط الأجر بالأداء لا بالمجاملة.
الدولة لا تُقاس بقوة أرقامها فقط، بل بمدى العدالة التي يشعر بها المواطن في بيته، وراتبه، ومستقبل أبنائه.
إن لم يشعر المواطن أن هذه الثروة له، وأن هذا الإصلاح يمسه مباشرة، وأن كرامته المعيشية أولوية لا هامشاً، فكل تعديل وزاري، مهما كان حجمه، سيبقى مجرد تغيير في الواجهة، بينما الألم في العمق باقٍ.
الدولة القوية لا تُدار بالمسكنات، بل تُدار برؤية شجاعة، وحوكمة حقيقية، وإنصاف صادق للمواطن.