الجمعة 01 مايو 2026
28°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
نجيد الفخر... ثم ننزعج من المقارنة
play icon
كل الآراء

نجيد الفخر... ثم ننزعج من المقارنة

Time
الخميس 05 فبراير 2026
عبدالعزيز محمد العنجري

Abdulaziz_anjri@

في الكويت نُجيد الفخر، ثم ننزعج من المقارنة، خصوصاً عندما تتحول المقارنة إلى مرآة منصفة.

نحن نرحب بها حين تُظهر تفوقاً أو تميزاً، ثم نرفضها عندما تكشف فجوة لصالح الجوار، ونستدعي التاريخ كأنه بطاقة إعفاء دائمة.

التاريخ جميل، لكنه ليس خطة عمل يُهتدى بها وحده، ولا يعوّض قصور الحاضر. التاريخ يشبه صورة قديمة لمبنى فخم، بينما المبنى اليوم قد يحتاج إلى ترميم وصيانة، حتى يستعيد قيمته.

لنأخذ مثالاً واحداً يشرح الكثير. العمر الوظيفي للوزير، أي مدة بقائه في منصبه.

في دول مجاورة، الاستمرارية ليست مدحاً لشخص، بل حماية لمسار، وهي قاعدة تشمل الشيوخ وأبناء الأسرة الحاكمة، كما تشمل الوزراء المدنيين من المواطنين. الوزير يبقى سنوات تكفي ليبني فريقاً، ويضع مؤشرات، ويخوض معركة التنفيذ، ثم يُحاسب على النتائج.

في السعودية، يتولى محمد الجدعان وزارة المالية منذ 2016، أي قرابة عقد كامل. وفي الإمارات، يتولى سهيل المزروعي حقيبة الطاقة منذ 2013، أي أكثر من 12 سنة.

وفي الإمارات أيضًاً، يتولى الشيخ عبدالله بن زايد وزارة الخارجية منذ 2006، نحو 20 سنة، وهو مثال واضح على الاستمرارية داخل الأسرة الحاكمة نفسها، حين يُنظر للمنصب كمسار لا كمحطة.

وفي السعودية، يتولى الأمير عبدالعزيز بن سلمان وزارة الطاقة منذ 2019، أي أكثر من ست سنوات، وهي مدة تكفي لترسيخ سياسات وربطها بمحاسبة على النتائج.

أما عندنا، فالمعادلة تُرهق أي خطة قبل أن تولد. وزير يأتي وهو يعلم، ويعلم الجميع، أن من سبقه لم يمكث طويلاً، وأن من سيأتي بعده قد يعيد كتابة الخطة من الصفر. فتتحول الرؤية طويلة المدى إلى أوراق تتبدل بسرعة، ثم تمر السنوات ولا تتحقق الرؤية، لا لأن الأفكار سيئة بالضرورة، بل لأن الفكرة لا تُمنح زمناً لتُختبر، ولا صاحبها يُمنح فرصة لينجز أو يُحاسب.

كنا لسنوات نضع مجلس الأمة في خانة السبب الجاهز. تجاذبات، استجوابات، ابتزاز، أو سوء استخدام للأدوات الرقابية. وكان في هذا جزء كبير من الحقيقة، لكن بعد غياب المجلس، يخرج السؤال الأهدأ والأخطر: ما هو العذر الآن؟

إذا تقلّص العائق البرلماني المباشر، فلماذا لا نختار الأفضل، ونثبت عليه، ولماذا تبقى الحقائب كأنها تدوير لا تكليف؟

المشكلة في جوهرها ثقافية وإدارية. أحياناً نتعامل مع المنصب كمرحلة موقتة لا كمسؤولية طويلة. نمنح المسؤول ثقة جزئية، ثم لا نضع بيده صلاحيات كافية للإدارة والمتابعة، ولا نُلزمه بمؤشرات واضحة تُقاس. فيغيب الربط بين الخطة والنتيجة، وتصبح الاستمرارية مجرد حظ، والخطط مجرد ورق، والمحاسبة مجرد كلام.

هدف هذه المقالة ليس جلد الذات، ولا البحث عن شماعة جديدة. الهدف بسيط وواضح. أن نفهم أن المقارنة ليست إهانة، بل أداة إصلاح، نقبلها حين تفرحنا كما نقبلها حين تُحرجنا. وأن دولة بلا استمرارية تنفيذية تشبه مشروعاً يغيّر مديره وخطته في كل مرحلة. تتكرر الخطط، وتتبدل الأولويات، وتتأخر النتائج… ثم نستغرب، بصدق، لماذا لا يكتمل المشروع، ولماذا لا نتقدم كبلدٍ بالوتيرة التي نريد.

آخر الأخبار