مختصر مفيد
يحكى أن عاملاً كان يعمل في مصنع لتجميد وحفظ اﻷسماك، وذات يوم، وقبل نهاية الدوام دخل إلى ثلاجة اﻷسماك لينجز عمله، فحدث أن أغلق بابها، وهو داخلها.
حاول الرجل فتح الباب، ولم يستطع، أخذ يصرخ وينادي بأعلى صوته طالبا المساعدة من العمال الآخرين، لكن الدوام كان قد انتهى، ولم يبق أحد في المصنع.
وبعد مرور خمس ساعات، وكان الرجل قد أوشك على الموت من شدة البرد، إذ بحارس المصنع يفتح باب الثلاجة، وينقذه.
وعندما سأل مدير المصنع الحارس: كيف عرف أن ذلك العامل كان موجودا داخل المصنع، ولم يخرج مع باقي العمال؟
قال الحارس: أنا أعمل بهذا المصنع منذ ثلاثين عاما، يدخل ويخرج من المبنى مئات الموظفين والعمال يوميا، لم يكن أحد منهم يلقي عليّ التحية يوميا، ويسألني عن حالي إلا ذلك العامل، وعند نهاية هذا اليوم لم أسمعها منه، وافتقدته عند خروج العمال، فعلمت أنه لا يزال في المصنع، فبحثت عنه حتى وجدته أخيرا. قال الله تعالى: "وقولوا للناس حسنا".
فالكلمة الطيبة أنقذته، فرب كلمة طيبة لا تلق لها بالا لها من الوقع الطيب على الآخرين، وقد تنقذك، فلا تحقرن من المعروف شيئا.
وقصة أخرى فقد سَخِر شخص من عامل نظافة، ففتح الله للثاني أبواب الرزق، فقد بدأت الحكاية حين صور شخص عامل نظافة بنغلاديشي، وهو يقف بصمت وتأمل أمام واجهة أحد محال الذهب في الرياض.
كان هذا العامل ينظر إلى قطع الذهب خلف الزجاج بنظرة إنسان بسيط، لكن المصور سَخِر منه، فنشر الصورة، وكتب عليها كلمات جارحة "هذا حده ينظر إلى القمامة "، وكأن الفقر خطيئة، أو كأن العمل الشريف يدعو للخجل، لكن الله إذا أراد رفع شأن عبدٍ، سَخّر له القلوب والظروف.
فخلال ساعات قليلة، تحولت تلك السخرية إلى موجة غضب عارمة بين المتابعين، وارتفعت الأصوات تدافع عن كرامة هذا الرجل. وانطلقت حملة تضامن واسعة قادها حساب "إنسانيات" على الانترنت للبحث عن العامل وتكريمه، لا من باب الشفقة، بل تقديراً لإنسانيته التي أهينت.
وهكذا تحولت الإساءة إلى امتحان أخلاقي انتصر فيه المجتمع وهُزم فيه الاستهزاء، وبمجرد العثور على العامل، تتابعت عليه قوافل الخير من كل اتجاه.
انهالت عليه الهدايا من أطقم ذهب ومجوهرات، ومبالغ مالية، وهواتف حديثة، ومواد غذائية، وحتى تذاكر سفر لزيارة أهله. وكانت المفارقة المدهشة أن طقم الذهب الذي كانت عيناه تتأمله خلف الزجاج، أصبح بين يديه ملكاً له، وكأن القدر يرسل رسالة مفادها "العطاء من الله وحده"، وقد تبين لاحقاً أن هذا العامل، الذي لا يتجاوز راتبه 700 ريال سعودي، كان معروفاً بأمانته الشديدة ورحمته، حيث كان يقتطع من قوته القليل ليطعم القطط الضالة في الشارع.
وعندما سُئل عن أمنيته الحقيقية، جاء رده بكلمات بسيطة هزت المشاعر: "كنت أتمنى المال لأساعد ابني على الزواج"، لم يكن الذهب غايته، بل كان يريد الفرحة لابنه.
جرح المشاعر أو الإهانة هي من أشد الجراح التي لا تندمل، لكن تذكر دائماً أن الله لا ينسى القلوب الطيبة ولا يضيع أجر المحسنين.