الجمعة 03 أبريل 2026
24°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
ثقافة سيئة في المقاهي!
play icon
كل الآراء

ثقافة سيئة في المقاهي!

Time
الخميس 05 فبراير 2026
حسين الراوي

قبل أيام دخلتُ أحد المقاهي الواسعة في مستشفى كبير، وكان يعجّ بالروّاد والزوّار، فلا طاولة خالية ولا مقعد شاغراً.

وبعد جولةٍ قصيرةٍ بحثاً عن مقعد، وقع بصري على رجلٍ يجلس وحيدا أمام ثلاثة مقاعدٍ فارغة. تقدّمت نحوه بابتسامة، وسلّمت عليه ببشاشة، ثم استأذنته في الجلوس. أومأ لي بالموافقة، فجلستُ بهدوءٍ لا يخلو من ترقّب.

لكن ما إن مرّت لحظات، حتى لاحظت أن ملامحه قد تغيّرت، وأن شيئاً من الضيق بدا في وجهه، يرمقني بنظراتٍ متقطّعة لا تخلو من انزعاجٍ مكتوم. عندها تساءلت في نفسي: ما الذي كان ينتظره مني هذا الرجل؟

هل كان يريدني أن أتركه وحيداً يحتجز لنفسه ثلاثة مقاعدٍ خالية؟

هذا المشهد، الذي يبدو بسيطاً وعابراً، يلخّص كثيراً من ملامح الحياة الحديثة. ففي المقاهي والمطاعم وأماكن الانتظار، نرى طاولاتٍ واسعةً يجلس عندها شخصٌ واحد، يتوسّط أربعة كراسٍ خالية، يطيل النظر في هاتفه تارة، وفي المارة تارةً أخرى، وكأنه يقول بصمته: هذه الطاولة لي وحدي، فهي مساحتي الخاصة وسط هذا الزحام.

يمرّ الناس من حوله، يبحثون عن مكانٍ يجلسون فيه، تتقاطع نظراتهم بتلك المقاعد الفارغة، لكنهم يمضون مبتعدين، وكأنهم يحترمون عزلةً غير معلنة.

هل في ثقافتنا ما يجعلنا نهاب الاقتراب من عزلة الآخرين، أم أننا نمارس نوعاً من الحياء المفرط الذي يُبقي بيننا وبين بعضنا مسافاتٍ مضاعفة حتى في الأماكن العامة؟

وربما هو شعورٌ دفين - إحساسٌ جمعي - بأن الجلوس إلى طاولة شخصٍ غريبٍ هو اقتحامٌ لعالمٍ خاص، حتى لو كان ذلك العالم في فضاءٍ مفتوحٍ أمام الجميع.

إنها عزلةٌ طوعية، لكنها مؤلمة أحياناً.

نختبئ في الزوايا، نحتمي بالشاشات، ونتظاهر بالانشغال كي لا يكتشف أحد فراغنا الداخلي.

صار لكلٍّ منا طاولةٌ افتراضية يجلس إليها في قلب المدينة الصاخبة، يتحدّث مع مئاتٍ من الأصدقاء البعيدين، لكنه يشيح بنظره عن الجالس إلى جواره.

ربما لا يحتاج العالم إلى مزيدٍ من المساحات، بل إلى قلوبٍ تتّسع. فالكرسي الفارغ لا ينتظر جسداً يجلس عليه، بل روحاً تقترب. وفي زمنٍ ازدحمت فيه الشوارع وضاقت فيه الأرواح، قد تكون أبسط أشكال الشجاعة هي أن تبتسم لغريبٍ وتشاركه الطاولة.

كاتب كويتي

آخر الأخبار