في أحد الممرات الطويلة، كانت الملفات تصطف كأنها قصص لم تُروَ بعد. أسماء نساء، تواريخ قديمة، أحلام مؤجَّلة، أمنيات تنتظر اللحظة المناسبة لتتحقق. لم تكن تلك الأوراق مجرد معاملات، بل نوافذ تطل على بيوت لم تُفتح بعد، وأمهات تعلّمن الصبر أكثر مما يحتمل القلب. حتى ظهر صوت الإنسانية والطمأنينة، ينساب شيئاً فشيئاً مع تولي لجنة المرأة في المؤسسة العامة للرعاية السكنية قيادة امرأة قلّ مثيلها: الإنسانة بيبي اليوسف الصباح. لم تدخل المكان بعين المسؤول فقط، بل بقلب يعرف أن خلف كل ملف معاناة امرأة، وخلف كل طلب قصة انتظار طويلة.
كانت تقرأ الأسماء ببطء، كمن يقرأ سطوراً من رواية المجتمع، تدرك أن المأوى ليس سقفاً أو جداراً، بل بداية حياة مستقرة. لم تكن المرأة بالنسبة لها مجرد رقم في قائمة، ولا حالة تُختصر بجملة، بل إنسانة بحجم مجتمع: امرأة أنهكتها المسؤوليات، وربما أنهكها الانتظار، فجاء القرار عندها أبسط وأكثر عدلاً: إعادة الحق إلى مكانه الطبيعي، دون ضجيج، ودون وعود مؤجلة.
شيئاً فشيئاً، بدأت البيوت تُفتح، ليس بالأبواب فقط، بل بالطمأنينة التي تتحول إلى ضوء يضيء كل ركن مظلم. تغيّرت ملامح الانتظار في عيون كثيرات، وأصبح للسكن معنى يتجاوز الجدران: استقرار نفسي، أمن داخلي، تناغم روحي، تماسك أسري، وبداية جديدة بالسكينة تبني حياة كاملة.
ومن هنا وُلد اللقب الذي لم يُمنح رسمياً، لكنه كُتب في قلوب من تجرعوا ألم الانتظار"أمّ الخير". لم تطلبه، ولم تتزيّن به، لكنه جاء استحقاقاً كما يُمنح القدر للأسماء التي تحفر أثرها بصمت.
فالخير حين يُمارَس بصمت، يسمعه الناس أعلى من أي خطاب. تحمل هذه التجربة رسالة واضحة: إن العدالة الاجتماعية تبدأ حين يُنظر إلى الإنسان قبل الإجراء، والأثر قبل الصورة، وتُحتفى بالنية الطيبة قبل العمل. والمرأة حين تُنصف، لا تستقر وحدها، بل يستقر معها أسرة، ويهدأ معها مجتمع.
هكذا تُكتب الحكايات حين لا تنتهي بنقطة، بل بأثر باقٍ، وحين تتحقق العدالة، تبقى بعض الأسماء خالدة، ليس لأنها شغلت موقعاً، بل لأنها صنعت فرقاً. باسم المجتمع وباسم كل امرأة وجدت في السكن أماناً، تُستحضر الرسالة الاجتماعية بقيمة إنسانية، وتجربة أخلاقية تقودها الشيخة بيبي اليوسف الصباح، إيماناً صادقاً بالعدالة والإنصاف.
تحية إجلال لمن جعلت من موقعها باباً للأمل، وعملاً فيه إرث يُخلّد، وحياة صُنعت بحكمة وعطاء بلا حدود.
كاتب في الشأن الأسري والنفسي