في جلسة راحة واستجمام للشايب بمعية الخبير في لوبي العمارة. ولوبي العمارة للي ما يعرف كرسيين بلاستيك، لو عطست جنبهم ينكسرون، وطاولة صغيرة شايلة همّها وهمّ غيرها، والعيون تناظر المارة مثل جمهور نهائي "غراند سلام" رايح… جاي… رايح… جاي.. "عليكم السلام" لواحد مار.
الشايب كان قاعد ظهره منحني بس صوته للحين يخزي العين يحرّك العصا، مو لأنه يحتاجها، بس لأنها جزء من شخصية لفّ على الخبير، وقال بنبرة اللي شاف الدنيا، وهي تتبدّل ملابسها أكثر من مرة: ما عندك موّال يطربنا، ترى اللوبي اليوم مكتئب، حتى كراسي البلاستيك زعلانه.
الخبير عدّل قعدته، شبك صوابعه كأنه بيحلّ معادلة نووية، وقال: بص يا حاج… انا راجع رجعة شديدة، جايب حكاية جديدة وسع بيب... بيب اسمع بيب... بيب.
الشايب ضحك ضحكة قصيرة وقال: هات اللي يوجّع، اللي ما يحتاج بنج.
الخبير سكت، وسكوت الخبراء قبل الكلام يحسسك ان فيه مصيبة جايه من حالها، وقال: بيت الكرم محترم لو مبني دور واحد، وبيت البخيل فدان، وما يساع نفر واحد. كنا خمسة وعشرة وبناكل في طبق واحد، شوف لما غيرنا الزمان مال الحمل على واحد.
الشايب ضرب العصا بالأرض وقال: إي والله، قبل الحمل كان يتقسم، واليوم يتوارث.
الخبير كمّل وعيونه لا هي في الشايب ولا في اللوبي، عيونه في جيل كامل مر: لعب الشيطان لعبته وفرقنا واحد ورا واحد، هي الدنيا كده يا ناس ما تمرّش بحال واحد.
الشايب هز راسه وقال: لا تلوم الدنيا، الدنيا تمر، احنا اللي وقفنا نعدّ خسائرنا.
الخبير ابتسم ابتسامة موجوعة وكمل: الميّه تروي الشجر، لكن الثمر مش واحد... والنخل يشبه لبعضه لكن التمر مش واحد.
الشايب قاطعه وقال: حتى التمر صار يتفاخر على بعضه، انا خلاص درجة، واللي عند جارنا درجة ثانية.
الخبير ضحك ضحكة اللي فاهم اللعبة وقال آخرها: والأخوات أشقاء، لكن الطبع مش واحد.
سكت اللوبي لا صوت بيب... بيب، ولا قمنا نسمع صوت روبابيكيا، ولا اصوات الباعة، ولا حتى السلام عليكم!
الشايب تنفّس بعمق وقال: تدري شنو القهر، مو إن الناس تختلف، القهر إنهم يختلفون، وكل واحد مقتنع إنه المظلوم الوحيد في الكون.
الخبير وقف عدّل جاكيته، وقال وهو يطالع الكراسي: بص يا حاج، احنا ما خسرناش بعض،احنا بعنا بعض بالتقسيط المريح على 12 شهرا، ومن غير فاتورة كمان، وسكت وسكّت معاه اللوبي، وبارك الله في ما رزق.
ومثل العادة المتموّلِس يحط ختمته قبل لا يرسل المقالة وقال: "اليوم واحد قال لي ترا قافلة معاي. قلت له: روح فيها الى الشام".
وفي هذه الاثناء رفع على مسامعنا الشيخ زغلول اذان الظهر.
كاتب كويتي
[email protected]