sheikha__alasfoor@
يشغل التفكر أهمية كبيرة في السرد القرآني، إذ يشكّل إحدى أهم الأدوات التي تعمّق فهم الإنسان لذاته، ووجوده، أي أن التفكر أداة الوعي والإدراك عند الإنسان، فقد تكررت دعوة القرآن الكريم للتفكر 18 مرة في مواضع: النفس والكون والتاريخ والآيات الكونية والإنسانية - في قوله تعالى: "إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ"، فقد تكررت الآية الكريمة في مواضع كثيرة من السور، وهذه الدعوة تعد منهجا متكاملا يدفع العقل إلى اكتشاف القوانين، التي سنّها الله في الكون، وأهم سلوك يتبع هو اسقاط تلك القوانين على الحياة الاجتماعية، والصناعة النفسية. واليوم، يؤكد العلم الحديث ما أشار إليه القرآن قبل 1400 عام أن التفكر العميق، أو ما يُعرَف في علم الأعصاب بالتأمل الواعي ( Mindfulness ) يثبت قدرته على إعادة تشكيل الدماغ عبر تعزيز المناطق المسؤولة عن التركيز والاتزان الانفعالي.
وقد أثبتت الدراسات أن ممارسة التفكر المنتظم تخفّض مستويات التوتر، وترفع كفاءة اتخاذ القرار، وتزيد من مستويات السعادة عبر تحفيز هورمونات الهدوء والاتزان الداخلي، ومن عجائب خلق الله أن التفكر يعزز من الخلايا العصبية المسؤولة عن بناء الوعي ومعالجة المعلومات، واتخاذ القرارات والتكوين العاطفي المتزن وبناء الذاكرة، كيف؟
تكشف الأبحاث الحديثة في علم الأعصاب أن القشرة الدماغية البشرية، وهي المنطقة المسؤولة عن التفكير الواعي، واتخاذ القرار، والإدراك تضم جزءاً كبيراً من مجموع الخلايا العصبية البالغ حوالي 86 ملياراً في الدماغ، وهي المنطقة الأكثر كثافة بالخلايا المرتبطة بالعمليات المعرفية العليا، ويُقدّر ما فيها بعشرات المليارات من العصبونات، تقارب 18 مليار عصبونة، وفق تقديرات منشورة حول توزيع العصبونات داخل القشرة الدماغية عند البالغين.
وعليه، فإن تلاقي الرقمين 18 (تفكر) و18 مليار (عصبونات القشرة في الدماغ) ليس علاقة عددية فقط، بل هو رمز به اعجاز علمي في أهمية تحريك العقل، وتفعيل البصيرة، والارتقاء بالوعي الإنساني.
وفي الختام، إن عملية التفكر ليست ترفاً فكرياً، بل قوة تنعكس على حياة الإنسان سلوكاً وطمأنينةً ونضجاً.
كاتبة كويتية