الثلاثاء 10 فبراير 2026
17°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
مشروع الأمن الغذائي المزارع الصغرى للمتقاعدين والشباب
play icon
كل الآراء

مشروع الأمن الغذائي المزارع الصغرى للمتقاعدين والشباب

Time
الاثنين 09 فبراير 2026
بسام فهد ثنيان الغانم

خلال أزمة "كورونا"، تبيّن للكويت، كما للعالم أجمع، أن قضايا الأمن الغذائي لم تعد افتراضات نظرية، ولا مخاطر بعيدة، بل واقعاً مباشراً يطال حياة الناس واستقرار الدول.

فقد كشفت تلك المرحلة هشاشة الاعتماد على الخارج، وأظهرت كيف يمكن لأي ظرف طارئ أن يربك الأسواق، ويضع الأمن الغذائي على المحك.

ورأينا جميعاً كيف وصلت بعض السلع الأساسية، كالبصل مثالاً، إلى أسعار غير مسبوقة تجاوزت خمسة دنانير، واضطرت الدولة، مشكورة، إلى تسيير أكثر من ثلاث طائرات، بشكل عاجل، لاستيراد منتج يُفترض أنه من أبسط ما يمكن زراعته محليا.

عندها برز السؤال المؤلم: لماذا ننتظر الأزمة حتى نتحرك، ولماذا لا نتحرّك قبل أن تُغلق الحدود، وتتعطل الإمدادات، وترتفع الأسعار، ويُختبر صبر الناس وأمنهم الغذائي؟

وفي كل تصعيد إقليمي، أو توتر عسكري، تتكرر العبارة ذاتها: "المخزون الستراتيجي الغذائي يكفي 6 أشهر أو 9 أشهر"، لكن السؤال الأهم الذي لا يُطرح بما يكفي هو: أين هذا المخزون؟ وأغلبه مستورد من الخارج، ومرتبط بموانئ، وممرات، وأسواق عالمية لا نملك السيطرة عليها، في الأزمات. فهل يُعقل أن يكون أمن بلدٍ بأكمله مرهوناً بسفن قد لا تصل، أو طائرات قد لا تُقلِع؟

من هنا، يصبح السؤال أكثر وضوحاً: لماذا لا تكون الأرض الكويتية نفسها هي المخزون، ولماذا لا نمنح الأراضي الزراعية للجادين من أبناء الكويت، من المهتمين والمستثمرين الحقيقيين، ليزرعوا وينتجوا ويبْنوا أمناً غذائياً مستداماً لا ينفد بانتهاء أشهر محدودة؟

ويقودنا ذلك إلى تساؤل أعمق: أليس من المنطقي أن تمتلك الكويت بنكاً زراعياً مستقلاً، وجامعة متخصصة بالزراعة تكون الأولى على مستوى المنطقة، وكليات زراعة في الجامعات، ومعهداً زراعياً وطنياً يخرّج فنيين ومهندسين ومزارعين محترفين؟

فهل يُعقل أن يوجد معهد للمسرح والتمثيل، ولا يوجد معهد للزراعة، في بلدٍ يستورد أكثر من 90 في المئة من غذائه؟

هذه الأسئلة ليست نقداً، بل جرس إنذار، ورسالة واضحة مفادها أن الأمن الغذائي لا يُدار بالتصريحات، ولا يُؤمَّن بالمخزون الموقت، بل يُبنى بالإنسان، وبالأرض، والاستثمار طويل الأمد.

ينطلق هذا المشروع من هدف واضح يتمثل في تحقيق الاكتفاء الذاتي الغذائي لدولة الكويت خلال عشر سنوات، وبما يتكامل مع "رؤية الكويت 2035" في تنويع مصادر الدخل، وتعزيز الأمن الوطني، وبناء اقتصاد مستدام قائم على الإنتاج لا الريع.

ويقوم المشروع على استصلاح وتوظيف نحو 2000 كيلومتر مربع شمال وشمال غرب البلاد، وتحويلها إلى منظومة إنتاج متكاملة تشمل الزراعة النباتية، والإنتاج الحيواني، والاستزراع السمكي، ضمن نموذج حديث يربط الأرض بالإنسان، والإنتاج بالاستقرار.

ويتضمن المشروع إنشاء 120 ألف مزرعة صغرى للأسر والمتقاعدين، بمساحة 10 آلاف متر مربع، وأكثر من 30 ألف مزرعة شبابية بمساحة أحخربعة آلاف متر مربع، إلى جانب مزارع كبرى للغلال والأعلاف والأخشاب، ومشاريع حيوانية وسمكية ضخمة على الحدود، ما يحقق أيضاً حماية الحدود وحفظ الأراضي الكويتية.

ويهدف المشروع إلى تمكين أكثر من 150 ألف أسرة كويتية من الإنتاج والدخل المستدام، وزراعة 10 ملايين شجرة، وبناء 500 ألف محمية، وإنشاء 88 شركة غذائية للتصنيع والتسويق والتصدير، بعائد سنوي متوقع يتجاوز ثلاثة مليارات دولار.

ويُنفّذ المشروع بالشراكة مع القطاع الخاص، وبرسوم رمزية للمستفيدين، مع تسليم المزارع جاهزة للإنتاج من اليوم الأول، دون تحميل الدولة أعباء مالية مباشرة.

لماذا الآن؟

لأن هذا المشروع قُدِّم قبل سنوات خلال أزمة "كورونا"، بعد أن عايشنا جميعاً الإغلاق التام وتوقف سلاسل الإمداد، وما خلّفه من تجربة مريرة للدول المعتمدة على الاستيراد.

وتأتي هذه الرؤية في توقيت بالغ الأهمية، في ظل التوترات الجيوسياسية المتصاعدة، وما تشهده دولة الكويت من حراك، رقابي وقضائي، جاد وحازم يهدف إلى حماية المال العام، وتنظيم ملف الحيازات الزراعية، وترسيخ مبدأ سيادة القانون على الجميع دون استثناء، وإذ نُشدّ على يد النائب العام والجهات الرقابية والقضائية في ما تؤديه من دور وطني شجاع ومسؤول، فإن المشروع يقدّم معالجة عملية وجذرية، تؤكد أن الأراضي الزراعية لا ينبغي أن تُترك خالية، أو مُعطّلة، ولا أن تُستغل خارج غاياتها، بل يجب توجيهها نحو الإنتاج الحقيقي المنظم، والخاضع للحوكمة والمساءلة.

الخلاصة الكبرى: هذا المشروع ليس مجرد مشروع زراعي، بل مشروع دولة يُعيد تعريف السيادة من بوابة الغذاء.

من يملك غذاءه...يملك قراره.

ومن يزرع أرضه.. يؤمّن مستقبله.

أماننا في أرضنا.. حين يكون غذاؤنا من إنتاجنا

من التراب تبدأ السيادة.. ومن الغذاء يولد الاستقرار.

آخر الأخبار