مرايـا الروح
أصبحت مجتمعاتُنا اليوم لا تكمن خطورتها في الأصوات المرتفعة، ولا في السرديات التي تُقال بلا مواربة، بل في ذلك الهمس الخفيّ الذي يتسلّل إلى الوعي دون استئذان.
هناك، حيث تُمرَّر الأفكار بهدوءٍ مريب، وتُعاد صياغة القناعات على مهل، حتى نظنّها وُلِدت من داخلنا لا زُرِعت فينا. فالتأثير الأخطر ليس ما يهزّنا فجأة، بل ما يتراكم بصمتٍ حتى يُعيد إدراكنا لما يدور من حولنا، ويغدو العابر ثابتاً، والطارئ يقيناً، دون أن نلحظ لحظة التحول.
قناعات تُزجّ بالإنسان في مواجهة تحدٍّ لا يُرى، لكنه بالغ الخطورة: كيف يصون الإنسان حدوده الداخلية، دون أن يشيّد حول نفسه عزلةً باردة تُفقد علاقاته مع الآخرين دفئها واحتواءها؟
حين نضع الحدود، نحن لا نبني حواجز بيننا وبين الآخرين، بل نحمي ذواتنا من الفوضى، ونحفظ توازن الإنسان ونمنعه من التشتت أو الاستنزاف، الحدود أن نمنح مشاعرنا اتجاهاً يستحقها.
الحدود كضفّتين تصونان نهر الذات من الفيضان، ليجري بوعيٍ واتزان، لا باندفاعٍ يورث الندم.
هويةٌ بلا حدود تذوب في زحام الإرضاء، حتى تتآكل الذات وتغدو ظلّا باهتا لغيرها؛ كثيرون اليوم يعيشون في دوّامة إرضاء الجميع، من يتعالى عليهم بسطوةٍ لا يملكون ردّها، ومن يدنو من فلكهم حتى يغدو جزءاً من مدارهم، زائد العائلة، الاصحاب، الأقارب، والمجتمع، حتى يغدو رضا الآخرين مقياساً لقراراتهم، يتنازل أحدهم عن قناعاته لينال القبول، وعن مشاعره ليحافظ على الصورة، حتى يصبح نسخة ممسوحة من الآخرين، لا لون له ولا نكهة، إلى أن يستيقظ على ذاتٍ باهتة لا تشبهه.
ومن هذا المنطلق، يتجلّى تشبيهٌ بديعٌ يُصوّر الإنسان ماءً في يد العابرين، يتشكل وفق ما تمليه أصابعهم. فالماء بلا وعاء لا شكل له، وكذلك الذات بلا حدود، تضيع ملامحها وتذوب في محيط الآخرين.
الحدود ليست فعلَ أنانية، بل هي إعلانُ احترامٍ للذات، وبوصلةٌ تمنع الروح من التبدّد؛ يتّهم البعض من يضع حدوداً بأنه غامضٌ ومتعالٍ، لكن الحقيقة أن الحدود لا تُفرض ضد الآخر، بل تكون من أجل حفظ التوازن في العلاقة معه، هي إعلان واضح "ها أنا ذا، هنا تنتهي مساحتي وتبدأ مساحتك".
فالوعي بالذات لا يعني الانغلاق، بل يعني أن يكون الإنسان قادراً على المودّة، دون أن يذوب في الآخرين، وقادراً على القرب دون أن يتخلّى عن نفسه، وقادراً على العطاء، دون أن يتحول إلى أداةٍ في يد الآخرين.
وذلك كي نحافظ على توازنٍ حكيم، مرونةٌ تفتح أبواب القرب، وصلابةٌ تحرس كرامة الذات؛ فالقوة النفسية لا تأتي من القوة الصلبة فقط، بل من المرونة الواعية. فاللين بلا مبدأ ضعف، والمبدئية حين تفقد دفئها تُفقد أثرها.
لدينا النهر مثالٌ حيّ للتوازن، انسيابٌ لا فوضى فيه، وحدودٌ لا تقمع جريانه؛ يتدفّق بسلاسة، لكن ضفّتَيه تصونان اتجاهه من التبعثر. ومتى وعى الإنسان حدودَه، كرامته وبصيرته، أمكنه أن يهب دون استنزاف، وأن يسير دون أن يتلاشى.
ثقافة احترام الذات؛ المجتمعات التي تربّي أبناءها على قول "نعم" دائمًا، تُنتج أشخاصاً مُذعِنين، يعتقدون أن الودّ لا يكتمل إلا بالخضوع، لكن التربية الواعية تُعلّم الفرد أن "الرفض" أحياناً شكلٌ من أشكال الحفاظ على النفس، وأن الاختلاف لا يعني خصومة، بل قد يكون اتساعا في الرؤية.
ليست البطولة أن يحبّك الجميع، بل أن لا تخسر نفسك في سبيل ذلك، وأن تكون صادقاً مع جوهرك، ضميرك، وذاتك، أصيلاً في قراراتك، نقيّ النية مع الآخرين في تفاعلك.
في النهاية، إن أجمل ما في النهر ليس ماؤه فقط، بل انه يعرف مجراه. والإنسان الذي يعرف حدوده، لا يعيش ليذوب، بل ليُضيء.
إنها معادلة بسيطة وعميقة: من دون وعيٍ بالذات، لا حرية حقيقية، ولا محبة صادقة، ولا حياة تُشبه صاحبها فعلاً.
كاتبة كويتية