في كل مرة يُرفع فيها شعار "السلام"، يتوقف العالم قليلا ليسأل: أي سلام يُقصد، سلام الشعوب، أم سلام المصالح؟
حين أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب فكرة إنشاء "مجلس للسلام" مرتبط بغزة، لم يكن الإعلان مجرد مبادرة إنسانية عابرة، بل رسالة سياسية متعددة الاتجاهات، تحمل أبعاداً أيديولوجية تتجاوز ظاهرها الهادئ.
الفكرة، في جوهرها، تقوم على حشد دول مؤيدة لرؤية معينة للسلام، وتوسيع دائرة الدعم الدولي لها. ظاهرياً، يبدو الأمر دعوة للاستقرار ووقف النزاعات، لكن القراءة الأعمق تكشف أن السلام، حين يُدار عبر المجالس والتحالفات، يتحول من قيمة إنسانية جامعة، إلى إطار سياسي قابل للتوظيف.
ترامب، المعروف بخطابه المباشر ونهجه القائم على الصفقات، يتعامل مع السلام بوصفه مشروعاً يمكن تسويقه دولياً. فالدعوة إلى مجلس سلام ليست فقط دعوة لوقف نزاع، بل محاولة لإعادة ترتيب موازين التأييد، وبناء تكتل دولي يمنح الفكرة شرعية أوسع، ويُظهر صاحبها في موقع المبادر لا المتفرج.
من هذا المنظور، لا يمكن فصل المجلس عن السياق السياسي الأوسع، فغزة، بما تحمله من رمزية إنسانية، وحق مكتسب، وصراع طويل، تُعد ساحة مثالية لإطلاق مبادرات كبرى، لأن أي حديث عن السلام فيها يجد صدى عالمياً، مهما اختلفت النوايا أو التفاصيل.
الأيديولوجية هنا لا تكمن فقط في مضمون المبادرة فقط، بل في طريقة تسويقها. فالدعوة لزيادة عدد الدول المؤيدة ليست تفصيلاً ثانوياً، بل جوهر الفكرة. فكل دولة تنضم، تمنح المجلس ثقلاً إضافياً، وتحوّل السلام من مطلب أخلاقي إلى مشروع دولي تحكمه التوازنات والتحالفات.
لكن السؤال الأهم يبقى: هل السلام الذي يُبنى عبر المجالس كافٍ لمعالجة جذور الصراع؟
التجارب السابقة تقول إن السلام الذي لا يلامس الواقع الإنساني اليومي، ولا يوقف تجاوزات الإتفاق ولا يعالج أسباب الظلم وعدم الاستقرار، يبقى هشاً، قابلاً للانهيار عند أول اختبار.
في المقابل، لا يمكن تجاهل أن مثل هذه المبادرات تفتح نوافذ للحوار، وتكسر حالة الجمود السياسي. فهي على الأقل تعيد قضية غزة إلى دائرة النقاش الدولي، وتمنحها حضورًا في طاولات القرار بعد أن كادت تختزل في نشرات الأخبار.
القراءة المتزنة تقتضي الاعتراف بأن "مجلس السلام" ليس شراً مطلقاً ولا حلاً سحرياً. هو أداة، والأدوات تُقاس بكيفية استخدامها. فإن كان الهدف الحقيقي هو تخفيف المعاناة وبناء استقرار عادل، فالمبادرة تستحق المتابعة.
أما إن تحولت إلى غطاء سياسي أو وسيلة نفوذ، فإنها ستنضم إلى قائمة المبادرات التي رفعت شعار السلام، ولم تترك أثرا حقيقيا على الأرض.
في النهاية، السلام ليس بياناً يُعلن، ولا مجلساً يُشكّل، ولا عدد دول يُحصى. السلام مسار طويل، يبدأ بالاعتراف بالإنسان قبل التحالفات، وبالعدل قبل الاصطفاف. وكل مبادرة لا تضع هذا المبدأ في قلبها، ستبقى فكرة لامعة… بلا جذور.
كاتب في الشأن الأسري والنفسي