خلال العقد الماضي، تمددت الميليشيات في فراغات السلطة، ورفعت شعارات أيديولوجية أو طائفية لتبرير وجودها، لكنها في الواقع أضعفت مفهوم الدولة، وكسرت العقد الاجتماعي، وأدخلت المجتمعات في حروب استنزاف طويلة.
اليوم، تتراجع قدرة هذه المجموعات على المناورة، ليس لأنها فقدت السلاح فقط، بل لأنها فقدت الشرعية والسردية.
ما نشهده حالياً هو انتقال الصراع من كونه عسكرياً صرفاً إلى صراع سياسي–أمني على معنى الدولة ذاتها، من يحتكر القرار، ومن يملك السلاح، ومن يمثل الناس؟
في لحظة إقليمية نادرة، تقف المنطقة العربية على مفترق طرق حقيقي، إما تثبيت مسار الاستقرار وبناء الدول، أو العودة إلى دوامة الفوضى التي غذّتها الميليشيات والسلاح المنفلت، والتدخلات العابرة للحدود، الجديد في المشهد اليوم ليس حجم الأزمات، بل تغيّر موازين الإرادة؛ إذ باتت الدول، لا الجماعات، هي التي تستعيد زمام المبادرة.
في سورية، لم يعد السؤال: من انتصر عسكرياً، بل كيف تُدار البلاد سياسيا؟ النظام السوري، رغم بقائه، يدرك أن مرحلة ما بعد الحرب تختلف جذرياً عما قبلها، البيئة الإقليمية تغيّرت، والدعم غير المشروط لم يعد متاحاً، والعودة إلى الحضن العربي، إن اكتملت، ستكون مشروطة بإعادة تعريف دور الميليشيات الأجنبية، وضبط السلاح خارج إطار الدولة.
مستقبل سورية لن يُحسم عبر المعارك، بل عبر تفكيك اقتصاد الحرب، وتقليص نفوذ الجماعات المسلحة غير النظامية، وفتح مسار سياسي واقعي يعيد للدولة وظيفتها الأساسية، الأمن والخدمات والسيادة، دون ذلك، ستظل سورية دولة معلّقة، لا حرب ولا سلام.
في اليمن، تتضح المعادلة أكثر من أي وقت مضى، لا سلام مستدام مع وجود ميليشيا مسلحة تفرض مشروعاً خاصاً بقوة السلاح، جماعة الحوثي لم تعد تمثل تمرداً محلياً، بل نموذجاً مكتمل الأركان لـ"الدويلة داخل الدولة"، بقرار أمني واقتصادي وعسكري منفصل عن الإجماع الوطني.
التحركات الإقليمية والدولية اليوم تسعى إلى وقف الحرب، لكن التحدي الحقيقي يكمن في ما بعد وقف النار، هل سيتم دمج السلاح في الدولة أم تقنين الفوضى؟ مستقبل اليمن مرتبط بقدرة القوى الوطنية على استعادة مفهوم الجمهورية، وبحسم مسألة السلاح المنفلت، لا بتجميد الصراع فقط.
أما السودان، فهو المثال الأوضح على خطورة التساهل مع الميليشيات، الصراع الحالي ليس نزاعاً سياسياً تقليدياً، بل مواجهة مباشرة بين فكرة الدولة المركزية وفكرة القوة المسلحة الموازية، ما يحدث في السودان رسالة قاسية للمنطقة "الميليشيات لا تحمي الانتقال، بل تبتلعه".
استقرار السودان لن يتحقق إلا بإعادة بناء جيش وطني موحد، وإنهاء أي صيغة تسمح بازدواج السلاح، أي حلول وسط في هذا الملف لن تؤدي إلا إلى تأجيل الخطأ الذي وقعت فيه المنطقة سابقاً، هو اعتبار دحر الميليشيات نتيجة للاستقرار، بينما الحقيقة أنه شرط مسبق له، لا يمكن الحديث عن تنمية، أو إصلاح سياسي، أو إعادة إعمار، في ظل جماعات تملك حق الفيتو بالسلاح.
المشهد الإقليمي اليوم يشير إلى إدراك متزايد لهذه الحقيقة، وعودة واضحة إلى منطق الدولة الوطنية، بدعم عربي أكثر تنسيقاً، ورغبة دولية أقل تساهلاً مع الفوضى.
المنطقة لا تعيش نهاية أزماتها، لكنها تعيش نهاية أوهام خطيرة، وهم أن الميليشيا يمكن أن تتحول إلى دولة، أو أن الفوضى يمكن إدارتها.
المستقبل سيكون للدول القادرة على فرض سيادتها، وبناء مؤسساتها، وحماية مجتمعاتها من سلاح الخارج والداخل معاً. ومن يقرأ المشهد بعمق يدرك أن معركة الاستقرار قد بدأت فعلياً، وأن نتائجها ستعيد رسم خريطة المنطقة لسنوات مقبلة.
كاتب سعودي