yousefalhajri24@
ليس أخطر ما نعيشه اليوم هو كثرة الأصوات، بل ندرة العقول التي تُحسن الإنصات.
فالعالم لم يعد يعاني من نقصٍ في الآراء، بل من وفرةٍ في الانفعالات، حتى بات الضجيج يُشبه الحقيقة أحياناً، ويكاد الصوت المرتفع يُقنع الناس بأنه الصوت الأصح.
نعيش زمن السرعة؛ خبرٌ يولد في الصباح، ويتحوّل إلى قضية رأي عام قبل المساء، ثم يُنسى في اليوم التالي. وفي خضم هذا التسارع، أصبح الحكم على الأمور يُبنى على ردّة فعل، لا على قراءة متآنية، وعلى عاطفةٍ عابرة، لا على عقلٍ راسخ.
لكن التاريخ يخبرنا بحقيقة مختلفة: لم يصنع التحولات الكبرى أولئك الذين اندفعوا مع العاصفة، بل الذين وقفوا بثباتٍ حتى فهموا اتجاه الريح.
العقل الهادئ لا يعني البرود، كما أن التروّي لا يعني التردد.
إنه قدرة نادرة على الفصل بين ما يستحق الانفعال، وما يستحق التفكير، بين الضجيج العابر والحقائق الباقية.
فالقرارات المصيرية لا تُتخذ تحت ضغط اللحظة، بل في مساحةٍ من الوعي تسمح برؤية الصورة كاملة.
لقد أصبحت المجتمعات اليوم أكثر عرضة للتأثر بالشائعة، وأكثر قابلية للانقسام بسبب كلمةٍ مبتورة، أو مقطعٍ مجتزأ. ومع تطور وسائل التواصل، لم تعد المعلومة تحتاج إلى دليل كي تنتشر، بل تحتاج فقط إلى من يشاركها بسرعة.
وهنا تتجلى قيمة الإنسان المتزن؛ ذاك الذي لا ينجرف خلف كل موجة، ولا يسمح لعقله أن يكون ساحةً للفوضى.
فالقيادة -في جوهرها- ليست حضوراً صاخباً، بل بصيرة.
وليست كل معركةٍ تستحق أن نخوضها، ولا كل استفزازٍ يستحق رداً. أحياناً يكون أعظم القرارات هو ضبط النفس، لأن من يملك هدوءه يملك قراره، ومن يملك قراره يملك اتجاهه.
تأملوا الشخصيات التي تركت أثراً عميقاً في مجتمعاتها؛ ستجدون أن القاسم المشترك بينها لم تكن الحدة، بل الاتزان، ولم يكن التسرع، بل الحكمة. كانوا يدركون أن الهيبة لا تُفرض بالصوت العالي، وإنما تُبنى بثقةٍ لا تحتاج إلى استعراض.إن أخطر ما قد يواجه الإنسان ليس خصماً قوياً، بل لحظة ضعفٍ يتخلى فيها عن تعقله. فكم من كلمةٍ قيلت في لحظة غضب فهدمت سنواتٍ من البناء، وكم من قرارٍ متسرع فتح أبوابا لم يكن من السهل إغلاقها.
وفي المقابل، كم من موقفٍ حُسم بهدوء غيّر مسار أزمة، وكم من صمتٍ كان أبلغ من آلاف الكلمات.
نحن لا نحتاج إلى مزيدٍ من الصراخ بقدر حاجتنا إلى مزيدٍ من الوعي. ولا إلى من يتحدث أولاً، بل إلى من يفهم أولاً. فالفارق بين شخصٍ عادي وقائدٍ حقيقي هو أن الأول تحركه الأحداث، بينما الثاني يقرأها قبل أن تتحرك.
تذكّر دائماً أن الاتزان ليس ضعفاً، بل شكلٌ متقدم من أشكال القوة؛ لأن السيطرة على الذات أصعب بكثير من محاولة السيطرة على الآخرين.
وفي عالمٍ تتزاحم فيه الآراء، وتشتد فيه الاستقطابات، يبقى العقل الهادئ هو الملاذ الآمن، والبوصلة التي تمنعنا من التيه وسط العواصف.
ففي عالمٍ يتقن الصراخ... يصبح الهدوء شكلا من أشكال الهيبة.
محام وكاتب كويتي