الأحد 15 فبراير 2026
20°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
الحيازات الزراعية والصناعية بحاجة إلى التعامل معها بحصافة
play icon
الافتتاحية

الحيازات الزراعية والصناعية بحاجة إلى التعامل معها بحصافة

Time
السبت 14 فبراير 2026
أحمد الجارالله

حين تعلن الحكومة ميزانية بعجز قدره نحو 40 في المئة، فإن ذلك يستدعي التوقف عند الأرقام المفترضة، وهل المعالجات لتنويع مصادر الدخل نجحت، أم أننا لا نزال على "طمام المرحوم"؟

إن العجز المتوقع هو 9.8 مليار دينار، أي ما يزيد على ثلاثين مليار دولار، وهذا الرقم هو موازنة لكثير من الدول الأفريقية وبعض العربية، وحتى الأوروبية الشرقية، وكلها لديها مصادر دخل متعددة، وليست كالكويت لا تزال تعتمد على سلعة وحيدة، وهي في الوقت نفسه قابلة للتذبذب بين الصعود والهبوط، ما يجعلها غير آمنة كاعتماد رئيس للحياة.

قبل كل شيء، علينا الاعتراف أن الإمكانات المتوافرة للدولة كثيرة، إذا جرى التعامل معها بأسلوب عصري، ومغاير تماماً لما ساد في العقود الماضية، حين كانت دولة الرعاية تهيمن على صناع القرار الاقتصادي، ما جعل الدعم مطلقاً ويستهلك نحو سبعة مليارات دينار سنوياً، فيما العشوائية في التعيينات ضخّمت الباب الأول من الميزانية إلى حد بات يستهلك نحو 73 أو 75 في المئة، بينما بقية الأبواب الإنتاجية خُصصت لها مبالغ تعتبر ضئيلة مقارنة بالدول الأخرى.

منذ سنوات ننادي، ومعنا الكثير من الخبراء الاقتصاديين والماليين، بضرورة تغيير أسلوب التعامل مع مصادر الدخل، من أجل تعظيم الناتج المحلي، والعمل على الانفطام عن النفط كمصدر دخل رئيس، وأن يُفسح في المجال للقطاع الخاص كي يمارس دوره في ذلك، ولا تكون الحكومة عائقاً أمامه، لكن يبدو أن المسؤولين الماليين لهم رأي آخر، لا يعلمه إلا الراسخون في علوم الحكومات المتعاقبة.

ففي العقود الثلاثة الماضية، كانت الحجة أن مجلس الأمة يعيق مشاريع الحكومة، وربما وجهة النظر هذه صادقة، لكن اليوم هناك إمكانات كبيرة لدى الحكومة كي تمارس دورها على أكمل وجه، دون منغصات نيابية.

للأسف، إن ما يحصل هو العكس، ففي المشاريع هناك تضييق عليها، وقرارات تزيد من عجز الشركات والمؤسسات، بدءاً من سحب الحيازات الزراعية لأن أصحابها حاولوا التخفيف على المال العام، من خلال بناء مرافق في مساحات صغيرة جداً من أجل رفع دخلهم، أسوة بباقي دول الخليج، التي سمحت بالمزارع السياحية، وصولاً إلى مصادرة القسائم الصناعية والخدماتية، لمجرد مخالفات بسيطة جداً، أو لرغبة موظف لم يعجبه منظر صاحب المؤسسة.

لهذا، فإن سد العجز يبدو أنه سيبقى يؤرق الحكومة لزمن طويل، فيما الحلول متاحة، أولاً من خلال تشجيع القطاع الخاص، فهو القوة الاقتصادية الأقوى لدى كل الدول، التي تسعى إلى جعل ناتجها المحلي يعتمد على تنويع مصادر الدخل، عبر الضرائب، والرسوم أولاً، وثانياً تشجيع الإنفاق الاستهلاكي، وكذلك زيادة حرية حركة التجارة المحلية والإقليمية والدولية، لا سيما أننا مقبلون على اكتمال مشروع ميناء مبارك الكبير، الذي سيكون همزة الوصل الكويتية مع الشرق والغرب.

أيضاً، عندما نتحدث عن مشاريع الترفيه وأهميتها، فإن ذلك يعني بالدرجة الأولى، أن المواطن والمقيم، سينفقان أموالهما في البلاد، بدلاً من السفر إلى الدول الأخرى، فحين يكون الإنفاق السياحي في الخارج نحو أربعة مليارات دينار سنوياً، لأن الكويتيين ينفقون نحو 11 في المئة من دخلهم السنوي في الخارج، فإن الإنفاق الهائل يُمثل تحويلاً لأموال كبيرة خارج الاقتصاد الوطني، ما قد يقلل من فرص الاستثمار المحلي في قطاع الترفيه والسياحة.

هنا علينا أن نحدد المسؤوليات بالنسبة إلى كل أبواب الهدر المستمرة، وهي تقع على وزراء الخدمات كافة، من وزير التجارة والهيئات التابعة له، التي عليها وقف التضييق على المستثمرين وأصحاب حق الانتفاع في القسائم، الصناعية والخدماتية، وإلى وزير المالية، ووصولاً إلى البلدية والهيئات الأخرى، لأن كل هذه المؤسسات يبدو أنها تعمل على زيادة تكبيل الاقتصاد الوطني بقيود لم يسبق أن شهدتها أي دولة.

لهذا، فإن العجز يتعاظم لأن الرؤية الاقتصادية والمالية غير موجودة، كرفع الدعم عن السلع والخدمات، وتشجيع الإنفاق الاستهلاكي، وكذلك وضع خطة صحيحة للتكويت في الوظائف، وعدم الاعتماد على العشوائية، وتشجيع الشباب الكويتي على الانخراط بالعمل في القطاع الخاص، بشرط الإنتاجية المفيدة، وليس البطالة المقنّعة.

نعم، هناك مجالات عدة يمكن أن تصبح مصدر دخل للناتج المحلي، فعلى سبيل المثال، إن إنتاج المزارع في العبدلي والوفرة، إضافة إلى المنافذ السياحية فيها، يمكنها إنتاج اللحوم، وغيرها، وكذلك القسائم الصناعية عبر استغلالها في صناعات تحويلية، فهذه كلها تعزز دخل الدولة، وتخفض العجز.

ومن الأمثلة التي يمكن أخذها في الحسبان، إن الضغط على الحيازات الزراعية، لا سيما تلك التي كانت متنفساً للمواطنين والمقيمين، جعلت الكثير من الناس في الكويت يذهبون إلى مزارع الخفجي، أو الأرياف العراقية كي يستمتعوا بإجازاتهم الأسبوعية، ويجلبون منها خضارهم وفواكههم، وهذا مثل بسيط عما تفعله المضايقات في الحيازات الزراعية أو القسائم الصناعية، بينما لو كانت عوملت بحصافة لدرّت على الدولة المال الكثير.

آخر الأخبار