KAltarrah@
ليست المناهج الدراسية مجرد أدوات تعليمية محايدة، بل هي ركيزة أساسية في بناء الوعي الوطني، وغرس القيم الاجتماعية والتاريخية، وصيانة الذاكرة الجمعية و"المكتسبات الوطنية".
ومن هنا، فإن إهمال دور الميدان التربوي، لا سيما المناهج، يُعد خطأً فادحاً في مسار تطوير التعليم، وتحديث المناهج الدراسية.
لا شك أن الخبرات الأجنبية تسهم في تطوير وتحديث أساليب التعليم ووسائله، غير أن هذه الخبرات تظل محصورة في الجوانب التربوية والعلمية البحتة، بينما تتحمل وزارة التربية مسؤولية الإطار التربوي والتاريخي، والوطني.
لا شك أن عملية التحديث والتطوير للمناهج الدراسية تحتم أن تشمل تحديد، ما ينبغي تضمينه من محطات تاريخ الكويت منذ حقبة الإمارة، وصولاً إلى قيام الدولة الحديثة، وتطوراتها السياسية، والاجتماعية والاقتصادية، دون إغفال العلاقة الدستورية بين نظام الحكم والشعب.
وفي هذا السياق، تبرز الأهمية التاريخية لوثيقة عام 1921 التي وقعتها كوكبة من أهل الكويت، والتي أرست محاور المبايعة إبان مجلس الشورى.
ولعل أبرزها التأكيد على المحافظة على بيت الحكم "لكي لا يحدث خلاف بين أسرة الحكم"، وفق نص الوثيقة، لذا يبدو أن تغييب مثل هذه المحطات عن المناهج لا يمثل فراغاً معرفياً فقط، بل فجوة في الوعي الوطني.
ويمكن النظر إلى المناهج الدراسية بوصفها موزاييك للتاريخ، السياسي والاجتماعي والثقافي، تعكس مسار التحولات وبناء الدولة الحديثة.
ولا شك أن هناك جوانب مضيئة رافقت هذا التطور، تستحق أن تُغرس في عقول التلاميذ والطلبة، وأن يُبنى عليها وعي مبكر وعميق لدى الأجيال، وكذلك لدى المعلمين والمعلمات، وأهل الميدان التربوي عموماً.
فالخبرات الأجنبية لا تتحمل مسؤولية قراءة التاريخ الوطني، ولا صياغة سرده، ولا تحديد أولوياته في الوعي الجمعي، لأنها مهمة وطنية بامتياز، تبدأ من المراحل الدراسية الأولى، وتمتد إلى المرحلة الثانوية.
فالهدف يكمن في إنتاج مخرجات تعليمية متماسكة وقادرة على مواجهة تحديات التعليم الجامعي داخل الكويت، وخارجها.
ولدى الكويت مراحل ثقافية وسياسية جديرة بالتعميق في المناهج، وتبسيطها وفق كل مرحلة عمرية، ثم غرسها بأساليب تربوية متقدمة تسهّل التلقي، وترسخ الفهم، وتوازن بين الدقة التاريخية ومتطلبات العصر، من دون تحريف، أو انتقاء مخل للوقائع.
وفي المقابل، يمكن، بل ينبغي، الاستفادة من الخبرات الأجنبية في تطوير الإدارة المدرسية، وأساليب التدريس، وبرامج تدريب المعلمين، وفق أسس علمية ومنهجية، بما يسهم في الارتقاء بالمستوى التعليمي العام، ويحقق الانسجام مع متطلبات الدراسة الجامعية وتحدياتها.
ويبقى من الضروري خلق جسور متينة بين المجتمع، ممثلاً في أولياء الأمور والمعنيين بالشأن التعليمي، وبين صانعي القرار التربوي، بحيث تُبنى عملية تطوير المناهج، وتحديثها على أسس علمية لا اجتهادية.
ولابد أن يتم التركيز على إبعاد السياسة، وبعيداً عن عملية تطوير وتحديث المناهج الدراسية، لكي لا تشوه، أي عملية جديدة، للتاريخ أو تفضي إلى تحريف مراحل موثقة في الكتب والدراسات والأبحاث التاريخية، والثقافية.
ذلك أن التعليم، في جوهره، ليس ساحة تجريب عابر، بل مسؤولية وطنية كبرى، وأمانة في أعناق من يكتبون التاريخ للأجيال المقبلة.
لا ينبغي تطوير التعليم والمناهج الدراسية عبر اجتهادات قد تقود إلى التحريف بدلاً من التطوير؛ لذلك تتضاعف مسؤولية وزارة التربية في المراجعة والتدقيق، تحقيقاً للهدف الأسمى من عملية تطوير المناهج، وصون الذاكرة الوطنية للأجيال القادمة.
بيت القصيد؛ إصلاح التعليم في الكويت ينبغي أن يقوم على رؤية دولة لتصبح وثيقة يتبناها مجلس الوزراء لكي لا يتحول التعليم إلى ميدان تجارب من دون استقرار لرؤية واحدة، وخطة ممنهجة غير قابلة للتغيير، ولا التحريف ولا الاجتهاد.