الإصلاح بالأفعال وليس بالأقوال
تعكس موازنة الدولة للسنة المالية 2026/ 2027 صورة مقلقة عن واقع الاقتصاد واتجاهاته المستقبلية، فهي لا تمثل مجرد عجز دوري مرتبط بتقلبات أسعار النفط، بل تكشف بوضوح عن خلل هيكلي مزمن في النموذج الاقتصادي القائم.
فالعجز المقدر بنحو 9.8 مليار دينار لا يمكن تفسيره على أنه ظرف عابر، بل هو نتيجة مباشرة لارتفاع الإنفاق الجاري بصورة مستمرة، وضعف الإيرادات غير النفطية، وغياب إصلاحات، ضريبية وتنموية، حقيقية تفتح للدولة مصادر دخل جديدة ومستدامة.
إن استمرار هذا المستوى من العجز يعني أن هيكل الميزانية لم يعد منسجماً مع واقع سوق النفط، ولا مع متطلبات التنمية طويلة الأجل، ويؤكد أن الاقتصاد لا يزال هشاً ومعتمداً على متغير واحد لا يمكن التحكم به.
الأخطر من حجم العجز ذاته هو طبيعة الميزانية، إذ تبدو في جوهرها ميزانية محاسبية تقليدية تركز على ترتيب الأرقام وتوازناتها الشكلية، دون أن تستند إلى رؤية تنموية واضحة، أو أولويات وطنية متماسكة، أو مؤشرات أداء قابلة للقياس، أو جداول زمنية للإصلاح.
فالميزانية بهذا الشكل تشبه كشف حساب يعكس الماضي، ولا يرسم المستقبل، وتدار كرد فعل للأحداث بدلاً من أن تكون أداة لتوجيه الاقتصاد نحو مسار محدد يمكن تتبعه وتقييمه.
ورغم الخطاب المتكرر منذ سنوات حول تنويع مصادر الدخل، لا تزال الإيرادات النفطية تمثل الغالبية الساحقة من موارد الدولة، في حين تبقى الإيرادات غير النفطية هامشية، ومحدودة الأثر.
وهذا الواقع يعمّق حالة الاعتماد على سلعة واحدة شديدة التقلب، ويؤكد أن الدولة لم تنجح بعد في بناء محركات دخل بديلة قائمة على الصناعة، أو الخدمات المتقدمة، أو الاقتصاد المعرفي.
فتنويع الإيرادات ليس إجراءً شكلياً أو خياراً سياسياً موقتاً، بل شرط أساسي لاستدامة المالية العامة، واستقرار الدولة على المدى الطويل.
وفي جانب الإنفاق، لا تزال الميزانية تخصص حصة كبيرة للرواتب والنفقات الجارية، مقارنة بالإنفاق الاستثماري الموجه إلى البنية التحتية الإنتاجية، والمشاريع الداعمة للنمو، وتطوير رأس المال البشري.
هذا النمط من الصرف يعكس توسعاً في قطاعات غير منتجة أكثر مما يعكس استثماراً في رفع إنتاجية الاقتصاد، الأمر الذي يحول الإنفاق العام من أداة تحفيز للنمو إلى عبء متزايد على المالية العامة، ويزيد من قابلية الميزانية للتعرض للضغوط في كل دورة اقتصادية.
كما تكشف الموازنة عن ضعف واضح في أدوات الإصلاح التي يحتاجها الاقتصاد الكويتي في هذه المرحلة، سواء في إصلاح سوق العمل، أو إعادة هيكلة منظومة الدعم، أو تطوير التعليم، أو إصلاح النظام الضريبي أو تحفيز القطاع الخاص.
فهذه المسارات لا تظهر بوضوح في بنود الميزانية، ولا تنعكس في برامج تنفيذية محددة، ما يجعلها غير قادرة على معالجة الأسباب الحقيقية للعجز، ويكرّس نهج معالجة الأعراض، وتأجيل الانفجارات المالية بدلاً من مواجهة جذور الأزمة.
ويتزامن ذلك مع محدودية دور القطاع الخاص في المساهمة الفعلية في النمو، إذ لا تتضمن الميزانية آليات واضحة وجادة لتحفيزه ليكون شريكاً اقتصادياً حقيقياً، بل تستمر الدولة في تأدية الدور الرئيسي في الإنفاق والاستثمار. هذا النموذج يعيد إنتاج اقتصاد تقوده الحكومة، ولا ينجح في خلق فرص عمل منتجة، أو في بناء قاعدة اقتصادية متنوعة، وكلما تعمّق اعتماد الدولة على نفسها في تحريك الاقتصاد، تراجع دور السوق، وتضاءلت فرص توسع القطاع الخاص.
أما ملف الدعم، لا يزال يشكل عبئاً مالياً كبيراً على الميزانية دون أن تصاحبه رؤية واضحة لإعادة هيكلته، أو توجيهه بذكاء. فالدعم الحالي لا يستهدف الفئات الأكثر استحقاقاً، ولا يرتبط بتحسين الإنتاجية، ولا يحد من الهدر أو الاستهلاك المفرط، بل يرسخ أنماط إنفاق غير كفؤة، ويضعف الحوافز الاقتصادية السليمة. إن الدعم غير الموجّه يتحول في النهاية إلى إنفاق واسع بلا أثر مستدام.
في المحصلة، تمثل موازنة 2026/ 2027 ميزانية صادمة لأنها تكشف خللاً بنيوياً في الاقتصاد، لا مجرد تفاوت سنوي في الإيرادات، وتعكس عجزاً مزمناً غير مصحوب بخارطة طريق إصلاحية، وتكرّس نهجاً محاسبياً بلا ستراتيجية تنموية، واستمرار الاعتماد على النفط، دون تنويع حقيقي للإيرادات، وإنفاقاً وقائياً أكثر منه إنتاجياً، وغياب أدوات واقعية لمعالجة مشكلات السوق والاقتصاد، وضياع فرصة ثمينة لإعادة تشكيل النموذج الاقتصادي عبر إصلاح هيكلي جاد.
فالميزانية ليست مجرد أرقام، بل هي انعكاس مباشر لوعي الدولة بكيفية صناعة المستقبل.
إن الموازنة الحالية ليست كارثة مالية سببها هبوط أسعار النفط، بقدر ما هي نتيجة لفشل استثمار سنوات الوفرة السابقة في بناء اقتصاد قادر على الصمود أمام الصدمات.
ولأن الميزانية وحدها لا تغيّر النموذج الاقتصادي، فإن الإصلاح الحقيقي يجب أن يبدأ بخطة إصلاح شفافة، وجداول زمنية واضحة، ومؤشرات أداء قابلة للقياس، ومشاركة فعلية للقطاع الخاص، وإعادة هيكلة شاملة للدعم والضرائب، وربط حقيقي بين التعليم ومتطلبات سوق العمل، حتى تتحول المالية العامة من أداة إدارة أزمة إلى منصة لبناء اقتصاد مستدام.
محام كويتي