الثلاثاء 17 فبراير 2026
18°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
فالبيع من المنزل ليس خطراً بل رزق كريم للأسر البسيطة
play icon
كل الآراء

فالبيع من المنزل ليس خطراً بل رزق كريم للأسر البسيطة

Time
الاثنين 16 فبراير 2026
بسام فهد ثنيان الغانم

جاءتني رسالة من الصديق الغالي، الزميل العزيز الدكتور جاسم الفهد، عضو "بيت الوعي" الكويتي، رئيس "نادي المستشارين"، تناولت بصدق، ووعي اجتماعي، قضية العمل والبيع من المنزل، وما يحيط بها من وجهات نظر تتعلق بالتنظيم، والرقابة، وحدود المسؤولية.

وكانت تلك الرسالة منطلقاً للتأمل في هذا الملف المهم، ومحاولة طرحه برؤية متوازنة تُراعي مصلحة المجتمع، ونفتح بها نقاشاً مهماً حول مفهوم العمل من المنزل، وحدود التنظيم، والفارق بين الحماية المشروعة للمجتمع، والتضييق غير المقصود على أرزاق الأسر.

في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة، وتزايد الأعباء على كثير من العائلات، بات البحث عن مصادر دخل إضافية أمراً مشروعاً وضرورياً، لا ترفاً ولا تجاوزاً. ومن هنا يبرز البيع والعمل من المنزل، كأحد أنبل وأشرف السبل التي تلجأ إليها الأسر البسيطة لتحسين أوضاعها الاقتصادية، دون اتكال أو طلب للمساعدة، بل بعملٍ نابع من الجهد والمهارة.

بيع "ورق العنب"، أو "المعمول"، أو "الكيك"، أو الأكلات الشعبية، ليس ظاهرة سلبية كما يُصوَّر أحياناً، بل هو امتداد طبيعي لثقافة العمل والكسب الحلال، فمعظم من يمارسون هذا النشاط هم أسر محدودة الدخل، تستثمر مهارة منزلية بسيطة، أو وصفة متقنة، لتأمين احتياجاتها، وغالباً ما يكون حجم البيع محدوداً، يعتمد على الطلبات المسبقة، أو دائرة المعارف، ولا يقارن بأي حال من الأحوال بالمطاعم، أو المشاريع التجارية الكبرى.

ومن الناحية الصحية، فإن كثيراً من مطابخ المنازل نظيفة ومنظمة، وتُدار بعناية وضمير، لأن الطبخ يتم بكميات صغيرة، وتحت إشراف مباشر من أهل البيت، وفي حالات كثيرة، تكون هذه المطابخ أكثر التزاماً من بعض المطابخ التجارية، التي تعمل تحت ضغط الإنتاج، والربح السريع، فالمرأة التي تطبخ لأبنائها، هي ذاتها التي تحرص على جودة ما تقدمه للآخرين.

لكن الأهم أن العمل من المنزل لا يقتصر على الطعام فقط، بل يشمل مجالات أوسع تفتح أبواب رزق جديدة، ومتنوعة، وتخفف الضغط على طلب التوظيف الحكومي، فهناك أعمال يدوية وحِرف بسيطة، مثل صناعة الإكسسوارات، والهدايا، والشموع، والصابون الطبيعي، وتنسيق الورود، وهي منتجات مطلوبة في المناسبات الاجتماعية، ويمكن تنفيذها بإمكانات محدودة.

وهناك أيضاً الخياطة، والتفصيل والتطريز، من تعديل الملابس إلى تفصيل القطع البسيطة، أو تطريز الأسماء، وهي مهارات متوافرة في بيوت كثيرة، ويمكن أن تتحول إلى مصدر دخل ثابت.

كما تشمل الأعمال المنزلية خدمات الطباعة والتغليف، وتجهيز "بوكسات" المناسبات، وهي أنشطة تعتمد على الذوق والتنظيم، أكثر من رأس المال.

ويضاف إلى ذلك التعليم من المنزل، كالدروس الخصوصية، وتعليم القراءة والكتابة، أو تحفيظ القرآن، أو تعليم اللغات الأساسية، وهي أعمال ذات أثر اقتصادي وتربوي في آنٍ واحد.

ولا يمكن إغفال الخدمات الرقمية البسيطة التي أصبحت متاحة للجميع، مثل إدارة حسابات التواصل الاجتماعي، إدخال البيانات، كتابة المحتوى البسيط، أو الرد على العملاء، وهي فرص مناسبة للشباب، والمتقاعدين، وربات البيوت.

كما أن تقديم الرعاية النهارية للأطفال، أو مساعدة كبار السن، داخل الأحياء السكنية، يمثل مجالاً إنسانياً مطلوباً يقوم على الثقة والسمعة الحسنة.

أما من حيث الأثر الاقتصادي، فإن هذه الأنشطة لا تشكل تهديداً لاقتصاد الدولة، ولا خسارة ضريبية تُذكر، بل على العكس، تساهم في تقليل الحاجة إلى الدعم، والرعاية الاجتماعية، وتحافظ على كرامة الأسرة، وتعزز ثقافة العمل والإنتاج بدل الاعتماد والانتظار.

وهنا يبرز دور الدولة لا في المنع أو التضييق، بل في التنظيم المرن والعادل، والمطلوب هو وضع شروط صحية واضحة وبسيطة، مع إمكانية اعتماد ترخيص مناسب، كزيارة مفتشة متخصصة للتأكد من توافر الحد الأدنى من الاشتراطات، دون تحويل الإجراءات إلى عبء إداري أو مالي يقطع الأرزاق، ويغلق الأبواب في وجه البسطاء.

في النهاية، البيع والعمل من المنزل ليس خطراً، وليس فوضى، بل رزق كريم، وحل واقعي، وتجربة اجتماعية إيجابية، وإذا أُحسن تنظيمه ودعمه، فإنه يصبح رافداً اقتصادياً وإنسانياً، يُقوّي المجتمع من الداخل، ويمنح الأسر البسيطة حقها في العمل بكرامة وأمان.

آخر الأخبار