أكدت أن النشاط يبقى في دائرة المُباح طالما لم يصدر تشريع يمنعه
الحرية هي الأصل والقيود عليها لا تكون إلا بنص صريح
مبدأ "لا جريمة ولا عقوبة إلا بقانون" حجر الزاوية في الشرعية الجزائية
محضر التحريات لم يبين النص القانوني الذي يجرم تعدين العملات المشفرة
الكويت لم تصدر تشريعاً ينظم النشاط سواء بحظره أو بوضع ضوابط لممارسته
إدراج "التعدين" ضمن "المشروع الصناعي" توسع غير جائز في التفسير
لا يجوز اعتبار استهلاك الكهرباء المرتفع جريمة إضرار بالمصالح القومية
جابر الحمود
قضت محكمة الجنايات (الدائرة الثانية عشرة) خلال جلستها أمس برئاسة وكيل المحكمة حمود مشاري الشامي ببراءة ثلاثة متهمين في قضية مباشرة نشاط تعدين العملات الرقمية، والإضرار بالمصالح القومية للبلاد، وإقامة مشروع صناعي دون ترخيص، واستغلال مبانٍ سكنية في غير الغرض المخصص لها.
أكدت المحكمة ـ في حيثيات حكمها ـ أن نشاط تعدين العملات الرقمية – في ظل خلو التشريع من نص ينظمه أو يجرّمه – يبقى في دائرة الأفعال المباحة، ولا يجوز إدخاله تحت مفاهيم تقليدية كالمشروعات الصناعية أو جرائم الإضرار بالمصالح القومية بطريق التوسع في التفسير، لما في ذلك من إخلال بمبدأ الشرعية ومساس بحرمة المساكن والحريات المصونة دستورياً، مبينة أن الكويت لم تصدر تشريعاً يمنع أو ينظم نشاط تعدين العملات الرقمية، سواء بحظره أو بوضع ضوابط لممارسته، الأمر الذي يبقيه في دائرة الأفعال المباحة.
وقالت: إن إدراج نشاط تعدين العملات الرقمية تحت مفهوم "المشروع الصناعي" الوارد في قانون الصناعة رقم (56 ) لسنة 1996 يمثل توسعاً غير جائز في تفسير النصوص الجزائية، إذ أن هذا النشاط لا يقوم على تحويل مواد خام إلى منتجات، وإنما هو نشاط إلكتروني حديث يختلف في طبيعته عن المشروعات الصناعية التقليدية.
المحامي عبدالمحسن القطان
المستشار حمود الشامي
الإضرار بالمصالح القومية
كما رفضت المحكمة اعتبار استهلاك الكهرباء المرتفع جريمة إضرار بالمصالح القومية وفق نصوص أمن الدولة، مؤكدة أن هذه الجريمة تفترض نشاطاً منظماً موجهاً بقصد الإضرار بأمن الدولة أو شل أركانها، وهو ما لا ينطبق على الواقعة محل الدعوى. وبيّنت أن التوسع في تفسير النصوص الجزائية لإدخال أفعال لم يجرّمها المشرع يخالف المبادئ الدستورية المستقرة، ويؤدي إلى تحميل النصوص ما لا تحتمل.
وشددت المحكمة على مبدأ دستوري راسخ مفاده أن الحرية هي الأصل، وأن القيود عليها لا تكون إلا بنص صريح، مؤكدة أن "لا جريمة ولا عقوبة إلا بناءً على قانون" هو حجر الزاوية في الشرعية الجزائية ، وأوضحت أن جهة التحقيق، قبل إصدار إذن القبض أو التفتيش، تلتزم بالتحقق من أن الأفعال المسطرة بمحاضر التحريات تشكل جريمة مكتملة الأركان وفق النموذج الذي رسمه المشرع، وألا تنساق إلى تأويل موسّع يحمل النصوص ما لا تحتمل.
رقابة المحكمة
وإذ أكدت أن رقابتها تمتد إلى فحص جدية التحريات ومشروعية الإذن الصادر بناءً عليها، صوناً للحقوق والحريات، وتحقيقاً لمقتضى سيادة القانون، أوضحت أن منح الإذن بالتفتيش من النيابة العامة يخضع لرقابة القضاء، وأنه يتعين على جهة التحقيق التحقق من أن الأفعال الواردة بمحضر التحريات تشكل جريمة مؤثمة قانوناً قبل إصدار الإذن.
وذكرت أن المحضر اقتصر على بلاغ يفيد بممارسة أنشطة تعدين عملات رقمية واستهلاك مرتفع للكهرباء، دون أن يبيّن وجود نص قانوني يجرّم هذا النشاط.
بطلان الإذن والأدلة
وانتهت المحكمة إلى أن إذن التفتيش صدر بشأن أفعال مباحة لا تشكل جريمة، ما يجعله باطلاً، ويترتب على ذلك بطلان جميع الإجراءات والأدلة المستمدة منه، باعتبارها وليدة إجراء غير مشروع ، مؤكدة أن حرمة المساكن والحريات مكفولة بالدستور، وأن سلطة التفتيش لا تُمارس إلا في إطار نص قانوني صريح يجرّم الفعل محل الاتهام.
الاتهامات المسندةوكانت النيابة العامة أسندت للمتهمين أنهم استغلوا منازل في منطقة الوفرة السكنية لممارسة نشاط تعدين العملات الرقمية، بما ترتب عليه استهلاك مرتفع للطاقة الكهربائية، واعتبرت ذلك نشاطاً صناعياً غير مرخص، فضلاً عن كونه – بحسب وصف الاتهام – نشاطاً من شأنه الإضرار بالمصالح القومية للبلاد، مع اشتراك المتهم الثالث بطريق الاتفاق والمساعدة.
وخلال نظر الدعوى، حضر المتهمون بشخصهم وأنكروا الاتهامات المسندة
إليهم.
وشهدت الجلسات مرافعات موسعة من هيئة الدفاع ، اذ دفع المحامي عبدالمحسن القطان ببطلان إذن التفتيش الصادر من النيابة العامة لابتنائه على تحريات غير جدية، وعدم وجود تنظيم تشريعي يجرّم نشاط تعدين العملات الرقمية، فضلاً عن انتفاء القصد الجنائي، وعدم جواز التوسع في تفسير النصوص الجزائية ، كما دفع بعدم وضوح قرار الاتهام، وعدم جواز التعويل على أقوال متهم ضد آخر، مطالبين في ختام مرافعاتهم بالقضاء أصلياً بالبراءة.