الأربعاء 08 أبريل 2026
25°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
البحث الأكاديمي محرك الاقتصاد وفي خدمة الوطن
play icon
كل الآراء

البحث الأكاديمي محرك الاقتصاد وفي خدمة الوطن

Time
الثلاثاء 17 فبراير 2026
د.رندا دياب بهمن
لغة القيادة

على مستوى دول "مجلس التعاون" الخليجي، استثمرت الحكومات بشكل كبير في البنية التحتية البحثية والتعليم العالي. ومع ذلك، تبقى هناك تحديات مستمرة، كالأبحاث التي تُنتَج في الكويت، والتي نادراً ما تتجاوز جدران المؤسسات، وبخاصة المؤسسات التعليمية، ولا يُسمع عنها في إطار الصناعة، مما يحدُّ من تأثيرها على النمو الاقتصادي والابتكار.

ووفقاً لتقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية حول سياسة الابتكار في الكويت، الذي أكد أهمية تعزيز هذا التعاون، وتأثيره على مؤشرات التطور الدولي في العديد من المجالات، فإن التعاون ما بين الجامعات الكويتية والقطاع الخاص يُعدُّ من الأدنى في المنطقة، إذ تشارك نسبة قليلة جداً من الشركات في شراكات بحث وتطوير رسمية، رغم أن الكويت تمتلك مواهب واعدة، ويمكن للبحث الأكاديمي أن يسهم بشكل أكبر في دعم الابتكار والنمو الوطني.

تمتلك الكويت الموارد ورأس المال البشري لتكون رائدة في النمو المبني على المعرفة، فالجامعات تجري أبحاثاً متقدمة في مجالات متعددة بشكل مستمر، بينما تستمر الدولة في استثمار كبير في التعليم محلياً وخارجياً.

مع ذلك، ودون وجود آليات واضحة للتفاعل مع القطاع الصناعي، تظل هذه الإنجازات في الغالب ممارسة أكاديمية، وليست محركاً للتحول الصناعي أو الاقتصادي. وعلى النقيض، تُظهر الدول المجاورة في المنطقة ما يمكن تحقيقه عندما يتم ربط البحث بالصناعة بشكل فعّال. وعلى سبيل المثال، نجحت المملكة العربية السعودية في مواءمة الحوافز والسياسات والأطر المؤسسية لربط الأبحاث الجامعية بالتطبيق الصناعي، ما أسفر عن براءات اختراع، وشركات ناشئة معترف بها عالمياً.

أما قطر والامارات العربية المتحدة، فقد أنشأتا أيضاً مراكز أبحاث، ونظم ابتكار وبرامج مرتبطة بالصناعة تعظّم أثرَ الإنتاج الأكاديمي.

هذه الدول تؤكد مبدأ بسيطاً لكنه قويٌّ، مفاده إنّ البحث دون انتقاله إلى الصناعة، هو بحث بلا تأثير محلي، ولو أن الوطن أولى في تحصيل فوائده. أما في الكويت، غالباً ما يُنظر إلى دعم الشركات للبحث كمبادرة ضمن المسؤولية الاجتماعية. فالتبرعات، ورعاية المختبرات، أو تمويل المشاريع البحثية، هي أمور شائعة، لكن التعاون الحقيقي محدود. فالسياسات الصارمة المتعلقة بالبيانات وقيود التجريب تمنع الأكاديميين من اختبار فرضياتهم أو استخدام مجموعات البيانات الواقعية. وفي الوقت نفسه، يتم تقييم الأبحاث غالباً بناء على المنشورات فقط، دون الاهتمام بالنتائج الصناعية القابلة للقياس.

كسر هذه الدائرة يتطلب تدخلاً سياسياً واضحاً، إذ يجب إلزام المؤسسات بتحقيق نتائجَ بحثية قابلة للقياس ومرتبطة بالتطبيق الصناعي، مثل براءات الاختراع المشتركة، أو النماذج الأولية، أو المنتجات التي يتم التحقق منها من قبل الشركات. كما يجب أيضاً تشجيع أطر مشاركة البيانات، والبيئات التجريبية المخصصة، والشراكات طويلة الأمد، مثل برامج الدراسات العليا الممولةِ من الصناعة. هذه الإجراءات موثوقةٌ، إذ ستسمح للأبحاث بالمساهمة في التنويع الاقتصادي وتعزيز القدرة التنافسية، بدل أن تبقى معزولة.

الحجة ليست نظرية، بل ستراتيجية. حيث انّ دمج النتائج العلمية في الممارسة الصناعية يعزز الابتكار، ويقوي القدرة التنافسية الوطنية، ويضمن أن الاستثمار الكبير للكويت في التعليم يتحول إلى قيمة اقتصادية واجتماعية.

وعبر اعتبار البحث أصلاً وطنياً مشتركاً تشترك فيه الأكاديمية والصناعة، يمكن للكويت سد الفجوة ما بين البحث والسوق، وخلق نظام بيئي تتولد فيه الابتكارات وتُطبق بشكل فعّال. فقط عندئذ سيتوقف البحث الكويتي عن التراكم على الرفوف، ويبدأ في قيادة التغيير الحقيقي. وإلا سيستمر الأكاديميون في تزويد أكاديميين آخرين بالمعلومات في حلقة لا نهائية دون أي مساهمة مجتمعية حقيقية كما تنوي المهنة بكل إخلاص، وستبقى نوايا المجتمع العلمي في المساهمة في حلول العالم الحقيقي مجرد حلم.

إن تحويل البحث الأكاديمي إلى قوة وطنية ليس خياراً، بل واجبٌ على كل مؤسسة وكل باحث في خدمة مستقبل الوطن. فالكويت تزخر بالمواهب المبدعة، وفقط من خلال استثمار هذه المعرفة في بناء اقتصاد مبتكر ومستدام، ستظل واحة للعلم والتميز على مستوى المنطقة.

باحث أكاديمي وعميد مساعد في كلية ادارة الأعمال

آخر الأخبار