الخميس 30 أبريل 2026
30°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
الثقافة السياسيّة
play icon
كل الآراء

الثقافة السياسيّة

Time
الأربعاء 18 فبراير 2026
د.جورج شبلي

من الواضح أنّ مفاهيم الصّراعات والنّزاعات قد سادَت، خلال القرون المنصرمة، بسبب الظّروف الدولية التي كانت الحروب تتحكّم فيها.

وقد برزت، في يومنا الحالي، مفاهيم أخرى مثل التّعاون، والسِّلم الدّولي، والانفتاح، والديمقراطية... لتعبِّر عن واقع جديد يَعكس سَعيَ المجتمع العالمي الى تحقيق الأمن والتقدّم في أرجاء الكرة الأرضية.

وقد استجاب النّظام الدّولي لهذا التّغيير، فسلكت الشّعوب سلوك التّعاون لتحقيق ديمقراطية قائمة على احترام الآراء، والاتّجاهات المختلفة، ودعم الحريّات والحقوق.

ولمّا كانت الدولة هي بيئة التّفاعل، والمحرِّك الأساس للقوى والانتماءات، كان لا بدّ من تحديد دَور واضحٍ للدولة في تنفيذ متطلّبات التطوّر الديمقراطي. وقد برز، في هذا المجال، رأيان: يدعو الأول الى وجود سلطة قوية تمارس الإشراف المباشر على الأجهزة، وعلى المؤسّسات الرسمية وغير الرسمية، في موضوع ضبط متطلّبات هذا التطوّر الديمقراطي.

في حين يدعو الثاني الى تقليص سلطة الدولة، على اعتبار أنّ المؤسّسات غير الحكوميّة قادرة على ضبط العملية الديمقراطية، وتقييمها، وإنجاحها.

إنّ مناقشة الرّأيَين، نظرياً، لن تُجدي نفعاً. لذلك، تجدر الإشارة الى أنّ تطوّر مبدأ الديمقراطية يستند إلى رفع مستوى الوعي السياسي لِقِيَم المشاركة، والتعدّدية، ويحتاج إلى مجتمع ناضج وحديث، ولا يتعارض مع وجود دولة قوية قادرة، ومنفتحة وحديثة.

إنّ ضعف الدولة في المجتمعات التعدّدية، كما هي الحالُ في لبنانَ مثلاً، قد أدّى، ولا يزال يؤدّي، إلى تدعيم الانتماءات العائليّة، والعشائريّة، والطائفيّة – أي الانتماءات الأدنى من الانتماء إلى الدولة، في مجتمع قبل الدولة – وبالتالي، إلى تقليص احتمالات التطوّر الديمقراطي، بسبب شيوع ثقافة غير ديمقراطية قائمة على التعصّب، وتقييد الحريّات، والانغلاق، والجمود، والقمع.

إنّ نظرةً معمَّقة الى واقع مجتمعنا، تشير الى وجود بطءٍ في التطوّر الديمقراطي. وذلك يعود الى ما يشكّل أَبرَز الأسباب التالية:

-ضعف الثقافة الديمقراطية في المجتمع، وعلى مستوى كلّ شرائح النّسيج الوطني. ويتمظهرُ هذا الضّعف في تقليص الممارسة الديمقراطية داخل الأحزاب، والتيّارات السياسيّة، ومنظّمات المجتمع المدني.

-وجود مخاوف متقابلة بين فئات الشّعب، بمعنى أنّ كلّ قوة سياسية تخشى أن يحتكر غيرُها السلطة، إذا وصلَت إليها، فتعمل على إبعاد سواها، وتهميشه.

-أزمة التنمية الاقتصادية، ما يعني أنّ ارتفاع مستوى المعيشة هو عاملٌ ضروريّ لزيادة المشاركة السياسية. وهذه المشاركة تتنامى كلّما تَحسَّن الأداء الاقتصادي، واتّسع حجم الطّبقة المتوسّطة، وارتفع، بالتالي، منسوب الوعي العام.

إنّ الديمقراطية ليست، فقط، مجرّد مؤسّسات سياسية، أو انتخابات، أو تعدّدية حزبيّة، بل هي، أيضاً، تحوّلات عميقة في بنية المجتمع، وفي الثقافة السياسية، بالذات. فالديمقراطية هي عملية بناء، وتأسيس، تبدأ بالإنسان، وهي نَهجٌ من شأنه توسيع رقعة الحريّات السياسية، وتعزيز المشاركة الجماهيرية في صناعة القرار، والمسؤوليّات.

إنّ النُّظُم السياسية وصلَت الى مأزق سياسي أيديولوجي، بحيث انّ المرجعيّات التقليدية تآكلَت، وفقدَت مصداقيّتَها بتكريسها أنماطاً تُعيق التّحديث.

وبالتالي، أصبحت التنمية ضرورة لمصلحة النّظام، ولمصلحة الشّعب، على السّواء. إنّ ضعف الديمقراطية مَرَدُّهُ الى غياب مُفَكِّرين ديمقراطيّين مُتَنَوِّرين في مراكز القرار الرّسمي والشّعبي، وقادِرين على بلورة رؤية تربط بين عالميّة الفكرة الديمقراطية، وعمليّة استثمارها، بما يتلاءم والخصوصيّة الوطنيّة.

إنّ عمليّة التحوّل نحو البناء الديمقراطي تستلزم وجود ثقافة سياسية مهمّتها جعل النّاس يدركون تركيبة المجتمع السياسي، أي التركيبة المؤسّساتية التي تضطلعُ بوظائف التّمثيل، والتّأطير، والدّمج، والتنشئة، والتّنمية.

لذلك، فإنّ المرتجى المأمول هو وجود ثقافة سياسية من شأنها أن تسمح باستيعاب هذه الوظائف، وعدم التّصادم معها.

إنّ الديمقراطية لا تقوم على القوانين، فقط، بل على نوعيّة الثقافة السياسية المنخرطة في عملية البناء الديمقراطي. من هنا، تبرز الحاجة الى تبصير الشّعب بأحقيّة مبدأ الديمقراطية، من خلال مؤتمرات، وندوات، ومناظرات مسؤولة، ولقاءات، ومنشورات، تعمل على زيادة الوعي الجَمعي، ما يحقّق الوحدة في ظلِّ الاختلاف، والانصهار في ظلِّ التَّباين، وكلُّ ذلك بهدف الوصول الى المواطنة المشتركة.

كاتب واستاذ جامعي لبناني

آخر الأخبار