العلاقات بين الدول تشبه علاقات البشر، أكثر مما نحب أن نعترف. أحياناً تبتسم ابتسامة عريضة، تكثر الكلمات الجميلة، وتبدو المسافة وكأنها اختفت، ثم تكتشف بعد قليل أن الابتسامة كانت جزءاً من المشهد، لا جزءاً من البناء.
السياسة لا تعيش على العبارات وحدها، لأن الاختلاف فيها طبيعي، مصالح تتبدّل، أولويات تتحرّك، وحسابات داخلية لا تتشابه، المشكلة ليست في وجود الخلاف، بل في طريقة التعامل معه.. الثقة والاحترام لا يلغيان التباين، لكنهما يمنعانه من أن يتحوّل إلى أزمة معلنة.
وهنا فرق مهم بين تقارب يلمع سريعاً ثم يهدأ، وتقارب تراكمي يعمل بصمت، الأول يرفع الصوت ويُكثر الصور. والثاني يراكم معنى.
مؤسسات، ثقافة، مسارات تواصل، جسور صغيرة تُبنى يوماً بعد يوم. هذا النوع لا يصنع ضجيجاً كبيراً، لكنه يصنع شبكة أمان تقلّل سوء الفهم عندما تتصلّب الملفات.
لهذا، لا يوجد شهر عسل دائم بين الدول. الاستمرار لا تصنعه ذروة المديح، ولا يصنعه تجاهل أسباب التوتر، بل تصنعه القدرة على إبقاء الجسور قائمة عندما تتغيّر الظروف.
ضبط الإيقاع هو الحكمة، لا إفراط في التماهي، ولا تهوّر في التباعد، ولا فجور في الخصومة.
وربما يشرح رمضان الفكرة ببساطة.. في هذا الشهر ترتفع لغة المجاملة وتكثر الرسائل والزيارات، فالمقصود ليس إدانة المجاملة بوصفها سلوكاً اجتماعياً، بل رصد التناقض الذي قد يحدث عند البعض بين الخطاب العام وما تُضمره النفوس. لذلك أميّز بين مجاملة تُسهم في حفظ السلم الاجتماعي، وتزييفٍ يُستخدم لإخفاء خصومة، أو تصفية حسابات، والحديث هنا عن الثاني.
وهكذا تفعل الدول أحياناً، لا تطلب من الواقع أن يكون ملائكياً، اطلب فقط أن يكون محترماً بما يكفي كي لا يتحوّل الاختلاف إلى قطيعة.