الجمعة 20 فبراير 2026
18°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
كل الآراء

حين تُثقل الرسوم كاهل العدالة

Time
الخميس 19 فبراير 2026
جاسم محمد المطيري

كفل الدستور الكويتي حق التقاضي باعتباره من الحقوق العامة الأساسية، ونص صراحة على أن حق اللجوء إلى القضاء مكفول للناس، وأن كفالة هذا الحق لا يجوز أن تُفرغ من مضمونها تحت أي ذريعة تنظيمية أو مالية.

وانطلاقاً من هذا المبدأ الدستوري المستقر، فإن مسألة رفع الرسوم القضائية تطرح إشكالاً قانونياً جدياً لا يمكن التعامل معه باعتباره إجراءً إدارياً عابراً، بل باعتباره قراراً يمس جوهر العدالة.

إن الرسوم القضائية، وفق المفهوم القانوني الصحيح، ليست أداة ردع، ولا وسيلة تصفية، إنما إجراء تنظيمي محدود الغاية، يُفترض ألا يتحول إلى حاجز مادي يمنع الأفراد من ممارسة حقهم الدستوري في التقاضي، إلا أن الواقع العملي لرفع الرسوم، حين يُطبق بعامة، ودون ضوابط دقيقة، يؤدي حتماً إلى تقييد هذا الحق تقييدًا غير مباشر، وهو ما لا يقل خطورة عن المنع الصريح.

وقد استقر الفقه والقضاء على أن سلطة المشرّع في تنظيم الحقوق لا تعني إطلاق يده في التضييق عليها، فالتنظيم المقبول هو ما يحقق المصلحة العامة، دون أن يُفضي إلى إهدار الحق أو تعطيله. أما حين تصبح الرسوم عبئاً يفوق قدرة شريحة معتبرة من المتقاضين، فإننا نكون أمام إخلال واضح بمبدأ كفالة حق التقاضي، ومساس غير مبرر بمبدأ سيادة القانون.

كما أن فرض رسوم مرتفعة دون تمييز بين نوع الدعوى وطبيعتها، أو بين المطالبة الجدية والدعوى الكيدية، أو بين المراكز المالية للمتقاضين، يُعد إخلالاً بمبدأ المساواة أمام القانون الذي كفله الدستور الكويتي، فالعدالة لا يجوز أن تُدار بمنطق القدرة المالية، ولا أن يُفتح بابها لفئة ويُغلق في وجه فئة أخرى، رغم تماثل الحقوق والمراكز القانونية.

ولا يستقيم، من منظور قانوني، الاستناد إلى ذريعة الحد من القضايا الكيدية لتبرير رفع الرسوم القضائية، إذ إن المشرّع الكويتي يملك من الأدوات القانونية ما يكفي لمواجهة التعسف في استعمال حق التقاضي، من خلال الغرامات، والتعويضات، والجزاءات الإجرائية، دون المساس بحقوق المتقاضين الجادين. أما تحميل الجميع عبئاً مالياً بحجة تصرفات قلة، فهو منطق تشريعي لا ينسجم مع العدالة.

الأخطر من ذلك، أن ارتفاع الرسوم قد يدفع أصحاب الحقوق المشروعة إلى العزوف عن اللجوء إلى القضاء، أو القبول بتسويات مجحفة، أو التنازل عن حقوق ثابتة، وهو ما يُفرغ القضاء من دوره كملاذ للإنصاف، ويُضعف الثقة العامة في العدالة، ويؤثر سلباً على الاستقرار القانوني والاجتماعي.

إن العدالة في دولة القانون لا تُقاس بحجم الرسوم المحصلة، بل بقدرتها على الوصول إلى الجميع دون تمييز، أو عوائق مصطنعة. وأي إجراء مالي يجعل ممارسة الحق الدستوري في التقاضي مرهونة بالقدرة على الدفع، هو إجراء جدير بإعادة النظر والتصويب.

وعليه، فإن مراجعة سياسة رفع الرسوم القضائية في دولة الكويت، وربطها بضوابط عادلة، وتدرج منطقي، وإعفاءات حقيقية للحالات المستحقة، ليست مسألة إدارية، بل التزام دستوري يفرضه احترام حق التقاضي، وصون مكانة القضاء، وترسيخ مبدأ سيادة القانون.

جاسم محمد المطيري

كلية الدراسات التجارية، تخصص قانون

آخر الأخبار