السبت 04 أبريل 2026
22°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
إلى الدكتور فهد الراشد وحرمه
play icon
كل الآراء

إلى الدكتور فهد الراشد وحرمه

Time
الأحد 22 فبراير 2026
خالد أحمد الطراح

تعمدتُ أن أصمت طويلاً قبل أن أكتب إليكما… فليس كل وجعٍ يُقال، وليس كل حزن تُسعفه الكلمات، فبعض المصائب تحتاج لأن تمر على القلب أولاً، أن تعصف به، أن تُربكه، ثم تتركه يتعلم كيف يتنفس من جديد.

كنت أنتظر أن تهدأ الفجيعة قليلاً، لا لأن الألم يزول، بل لأن القلوب تتعلم، مع الوقت، كيف تحمل وجعها دون أن تنكسر.

نعلم قسوة الفقد حين يرحل الابن، وندرك أن الصدمة حين تقع تكون كأنها اقتلاع جزءٍ من الروح، وأن الأيام الأولى تمر ثقيلة للغاية، كأن الزمن فيها متوقف عند لحظة الوداع.

وثم تمضي الأيام… لا لتُنسى، بل لتُلين حدة الألم، وتُعلم القلب كيف يعيش بجرح لا يندمل، لكنه يهدأ.

هكذا هي الحياة؛ مزيجٌ من العناء والشقاء، ومن الصبر والرجاء، حتى يأتي لطف الله كبلسم خفي يربت على القلوب المتعبة، فيسكن وجعها شيئاً فشيئاً.

ولعل ما يخفف وطأة الفجيعة أن ابننا محمد، رحمه الله، لم يرحل غريباً ولا وحيداً، بل كان بينكم، محاطاً بوجوه أحبته، وقلوب احتضنته.

رحل جسدُ الابن محمد، لكن حضوره بقي… بقي ضوءاً دافئاً كشمعة لا تنطفئ داخل أسوار المنزل، وفي زوايا الذاكرة، وفي تفاصيل اللحظات الجميلة التي ستظل تبتسم كلما ذُكر اسمه.

لا أدري كيف أقسم العزاء بيني وبينك، وبين زوجتك الكريمة الأخت الفاضلة منى، وبين الأحبة والأصدقاء والأهل؛ فأنت، يا أخي فهد، بطل وطني صارع أمواج السياسة العاتية من أجل مصلحة الوطن، وحماية المال العام من العبث والتطاول.

أعلم قسوة الفقد، لكنني، دون رياء أو زخرفة لغة، وأقنعة المبالغة، أقاسمكم الحزن والألم بحسرة شديدة، ووجع أشد.

الابن محمد، رحمه الله، لم يتوفّه الله يتيماً؛ بل رافقته سيرة والده فهد، الذي صارع الدهر والظنون، وخاض معارك الشرف، في وقت كان فيه الوطن بأمس الحاجة إلى الإنقاذ، والمال العام إلى الانتشال من مستنقع المساومات، ووحل المزايدات.

إن فاجعة فقدان ابننا محمد موجعة إلى أقصى الحدود، وتهيج مشاعر إنسانية مشتركة، لكنني على يقين، لا يقبل الشك، أن الابن محمد، وكلنا معه، نعلم بتاريخ وطني وثقه الزمن للأخ العزيز دكتور فهد الراشد، الذي لم ينحن لمغريات المصالح، ولا لإغراءات التنازلات، والمساومات.

الابن محمد لم يمت يتيماً، بل عاش وسيظل ابناً غالياً عليكم وعلينا؛ فالدهر لا يعرف الرحمة، ولا يفقه معنى الألم ولا وجع الفراق.

أخي فهد، أبو محمد: نذبل… نعم ذبلنا، بالتأكيد، لكننا لم نفقد الأمل في حياة واعدة، ومستقبل أكثر، وعداً وقيمة.

ابننا محمد، رحمه الله، توفاه الله بينكم ومعكم، رفيق روح جميلة وواعدة، وشمعة أسرة كريمة.

الحياة تمضي بنا أحياناً برفقٍ يشبه الطمأنينة، ثم تُباغتنا بحدث يهز المعنى من جذوره، فنشعر أن القسوة لم تعد وصفًا بل واقع يثقل الروح.

هكذا هي الأيام؛ ليست على وتيرة واحدة، ولا على وعد دائم باللين، فبين لحظة وأخرى قد ينقلب المشهد، فنقف مبهورين أمام الفجيعة، نحاول فهم ما لا يُفهم، أو تقبل ما لا يُحتمل في بدايته.

وربما لا نملك فعلاً سوى التأمل… أن نجلس مع الألم دون إنكار، أن نسمح له أن يمر فينا، لا أن نحاربه، وأن نتمسك بالصبر لا كاستسلام، بل كقوة هادئة تُبقي القلب واقفاً رغم الانكسار.

في عمق الصواعق تولد أحياناً حكمةٌ لا تُرى إلا بعد زمن، ويظهر في هشاشتنا جانب من صلابتنا لم نكن نعرفه.

نسأل الله سبحانه وتعالى الرحمة والمغفرة للابن محمد، وأن يسكنه فسيح جناته، وأن يلهمكم الصبر والسلوان.

إنا لله وإنا إليه راجعون.

آخر الأخبار