ثمة طقس اجتماعي في الكويت، قلّما يوجد في غيرها، وإن وجد فهو محدود، وربما يكون مأخوذاً منها، وهو الديوانية، هذه الظاهرة التي تميزت فيها منذ وجودها ككيان اجتماعي، ثم سياسي، منذ نحو 400 عام.
ولأهمية ذلك فقد أدرجتها منظمة الـ"يونيسكو" العام الماضي رسمياً على القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للإنسانية، فالديوانية ليست مجرد تجمع اجتماعي فقط، إذ إن لهذه المؤسسة دورها السياسي، وهي عامل مهم في استمزاج الرأي العام.
لذلك فإن الجولات عليها، أكانت من شخصيات رسمية، أو من العامة، دائمة، ويحرص الشيوخ والأمراء على زيارتها، بينما في شهر رمضان يصبح هذا الطقس ضرورة، ففيه تعبير عن التسامح والتآخي، والود، إلى درجة أن من هم متخاصمون يزورون بعضهم بعضاً في هذا الشهر الفضيل.
تتجلى في الشهر الفضيل القيم العربية والإسلامية في الدواوين، فالأبواب مفتوحة، كما القلوب، أمام الجميع، وفيها تعبير عن الأصالة، لهذا في الديوانية يتساوى الناس، المسؤول والوزير والرجل العادي كلهم سواء، وهذا التساوي يجعل الجميع يتعاملون بأريحية، بلا أي تكليف، فآداب هذا المجلس متأصلة في أهل الكويت، وهي تتطور وفق تطورات العصر، وهي أدت، ولا تزال دوراً كبيراً في الحياة السياسية والاقتصادية.
في الأيام الماضية، خلال الشهر الفضيل، رأينا طبيعة الكويتيين الحقيقية، في كل القيم الحميدة من صلة الرحم، وتراحم، وود، ومحبة، ففي الجولات اليومية على الديوانيات، تجد الكبير والصغير يحرصون على التلاقي، مهما كانت الصعوبات، لأنه الأساس في التواصل بين الناس، لهذا أطلق عليها "الديوانية جامعة أهل الكويت".
كذلك فيها تظهر أصالة الكرم والخير بين أبناء الدولة، في الأتراح كما في الأفراح، وكذلك حرية التعبير عن الرأي بما لا يجرح الآخرين، ولأنه كما هو معروف أن المجالس مدارس، ليس أفضل من الديوانية لتعليم معاني الود الاجتماعي، وآداب المخاطبة، لأن فيها تجد جميع الفئات، والكل يفصح عن رأيه بأي مشكلة بحرّية، وهذه روح الديمقراطية الحقيقية.
على هذا الأساس يحرص أي مواطن عند بناء بيته أن تكون الديوانية ركنا أساسيا من المنزل، ووفق تقديرات غير رسمية هناك ما يزيد عن ثلاثة آلاف ديوانية، وهي دائما عامرة بأهلها.
إن هذه الظاهرة الموجودة في الكويت عززت حضورها، ورسوخها، وهي في مكان ما تعبير أصيل عن الوحدة الوطنية، إذ تحت سقفها يجتمع كل الناس، منذ القدم.