الحق أحق أن يتبع، والمرء العاقل يعمل على العلاقات الجيدة مع جيرانه، وليس الاعتداء عليهم، إذا كان يريد مصلحته أولاً، مصلحتهم ثانياً.
هذا ما كان يجب على قادة النظام الإيراني العمل به منذ اليوم الأول لنجاح انقلابهم على الشاه، لكن يبدو أن الغطرسة والرعونة هما من حكمتا هذه الدولة الكبيرة، وليس العقلانية.
لذا اليوم، ثمة حقيقة لا بد من العمل بها، وهي أن هناك حقبة انتهت، وما جرى طوال 47 عاما يمكن القول إنها صفحة طويت، بات يتطلب إعمال لغة العقل في مقاربة الأمور، إذا كان من بقي من قادة النظام يريدون مصلحة شعبهم، لا سيما أن طهران عمدت طوال تلك العقود إلى جلب البؤس للإيرانيين، وكذلك محاولة قطع الطريق على أي تواصل مع دول الخليج العربية، وكذلك العالم العربي عبر الإرهاب.
رغم ذلك كانت هناك محاولات دائمة من القادة الخليجيين الحكماء إلى جلب طهران إلى كلمة سواء، وتحذرها من مغبة ممارسات تجريبية لن تخدمها.
لكن ما ظهر عكس ذلك، فالنظام القابع في كهوف العصور الوسطى، لم يرعو، وكان آخر ما فعله العدوان الموصوف على دول الخليج خلال اليومين الماضيين، إذ بدلاً من الانتقام من الولايات المتحدة واسرائيل اللتين شنتا عليه هجمات، قصف مواقع مدنية خليجية، فيما الحكومات كانت تعمل طوال الأشهر الماضية على منع الضربات عنه، لكنه قابل الحسنة بالسيئة.
لم يكن هذا غريباً على هكذا نظام يعيش على ترهات، من محاولاته تغيير الثقافة السائدة في الإقليم، أو الإمساك بقرار أربع دول، رأى أنه من السهل التحكم به، عبر جماعات طائفية وأذرعة مأجورة جعلها تعبث بأمن المنطقة، بدءاً من لبنان عبر ما يسمى "حزب الله" الإرهابي، مروراً بالعراق الذي حوله إلى بؤرة حقد مذهبية، مروراً بسورية التي عمل على تغيير هويتها من خلال الإغراء تارة، وطوراً بالقمع، وصولاً إلى اليمن الذي جعله عبر جماعة الحوثي يدخل مرحلة ما قبل التاريخ.
في المقابل، لقد عانت دول "مجلس التعاون" الكثير من هذا النظام، أكان في الاعتداءات الإرهابية على مكة والمدينة المنورة، أو محاولة تفجير بعض الأبنية المدنية، في السعودية، وحتى السماح لجماعته العميلة اليمنية بقصف مواقع نفطية في المملكة، وكذلك الاعتداءات على البحرين طوال أكثر من عشر سنوات، عبر تغذية جماعات تخريبية، وقبلها احتلاله الجزر الإماراتية، وكذلك التفجيرات الإرهابية التي استهدفت الكويت في ثمانينات القرن الماضي.
كل هذه الأعمال الإرهابية عملت على زيادة الهوة بين إيران ودول الخليج، ورغم ذلك لم تأل حكومات المنطقة جهداً للعمل على التهدئة، ومحاولة منع الولايات المتحدة وإسرائيل من الهجوم على إيران، بل إنها فتحت نوافذ عدة مع طهران، ومد يد التعاون، فيما الأخيرة قابلت ذلك بالمزيد من التعنت والغطرسة، بينما كانت دولنا صابرة على الأذى لأنها لا تريد للمنطقة الدخول في حرب إقليمية ثالثة.
نعم، كان يمكن لإيران أن تكون قوة اقتصادية كبيرة في المنطقة، ويعيش شعبها الرخاء، لكن بدلاً من ذلك أنفق نظام الكهوف الوسطى مليارات الدولارات، التي بدلاً من المقاومة التي كانت تتبجح بها عملت على تهريب المخدرات، وغسيل الأموال، وبناء شبكات دعارة، والكثير من الأعمال القذرة.
اليوم المطلوب من الشعب الإيراني الذي صبر على نظام إرهابي طوال 47 عاماً، وعمل على تغيير هوية هذا الشعب العظيم، وسلك سلوكاً لم يشهد التاريخ مثيلاً له في القمع والإرهاب، والهمجية، أن يكون قادراً على التخلص من كل هذا العبء.