"الديوانية اليوم ما هي مثل كل يوم، القعدة هادئة، وبالخلفية أصوات فناجين القهوة اللي تدور، مختلطة مع اصوات حوس قفاش الاستكانات، وكل هالاصوات مقدمات لموضوع أثقل من الضحك والفرفشة المعتادة.
الخبير فتح السالفة وقال: قريت قصة عن خباز، يبيع عيش ومعها كرامة، وفجاة سكت، والديوانية كلها سكتت، ثم قال حكايتنا عن عم حمادة، صاحب فرن عيش بلدي، له بالشغلانه دي حوالي ثلاثين سنة، وهو يتفرج على الوشوش قبل لا يشوف الفلوس.
وبيوم من الايام شاف راجل بكامل اناقته، يوقف على طول عند باب الفرن، يعد الفكة اللي في جيبه، وبعد ما يخلص عد يمشي... وعزة نفسه تتخانق مع جوعه.
العم حمادة مدالوش صدقة من الطاق للباب، بل اداله فكرة تحفظ كرامته، بعد أن عمل مسابقات وهمية، وهدايا بريئة، بابتسامات ما تفضحش حاجة اللي قدامه. ومن هنا كبر الموضوع بدماغ عم حمادة، وعلق سبورة مكتوب فيها "عيش مدفوع مقدماً... للي يحتاجه".
وبكدا أصبح الفرن بنك كرامة، والزبائن اصبحت شركاء: دكاترة، عمال، طلاب، اطفال كل واحد يمد إيده على قدّه.
هني تدخل الرجل، وهو يعدّل غترته وقال: "والله خوش فكرة، فكرة السلة المعلقة، ياليت نعممها بالكويت، بكل الأسواق والجمعيات التعاونية، وعند المخابز والمطاعم، وكل مكان نتعامل معاه، خصوصا وحنا بشهر الخير عشان المحتاجين (يا كثرهم) ياخذون حاجتهم، ولا ينحرمون من شي، وكل واحد ومدت ايده".
هز الشايب رأسه، وقال بصوت هادي: "بارك الله فيكم والله يسدد خطاكم. وعلى فكرة هالشي أسويه مرات مع بياعين البرد (الآيس كريم)، آخذ حاجتي وأخلي باقي الفلوس عنده، وأوصيه يوزع ماي وعصير على العمال، وعابري السبيل العطاشى".
الشاب دخل بحماسة: "أنا من ناحيتي راح أبلغ شيخ المسجد، يحث المصلين بدروس العصر على اتباع هالعادة الحسنة، بفرع الجمعية والمطعم، ومن خلال هالمقالة أتمنى من وزارتي الشؤون والتجارة – أدري عمك أصمخ – بحث الجمعيات التعاونية، والمحال التجارية بتعميم، وجود سلة معلقة عند الكاشيرية، للي حاب يتبرع ويا كثرهم بالكويت لله الحمد".
السكون لف المكان مو لأن السالفة خلصت، لكن الكل قام يحاسب نفسه: أنا شنو سويت؟ لان القصة ما كانت عن خبز، ولا عن فلوس، لأنها كانت عن إحساس شلون تساعد إنسان من غير ما تكسره، ومن غير ما تحسسه إنه أقل منك".
وقبل موعد الاذان قال الشايب: "اللي يحفظ للناس كرامتهم الله يحفظ له الطيب في دنياه وآخرته، لان الخير ما يحتاج إعلان، ولا ميزانية، ولا منصب، كل اللي نحتاجه قلب صاحي. وبداية صادقة ابدأ إنت بالخير، والباقي بيجون وراك وسلامتكم".
المتمولس بكل تأثر: "ارتباطك بالقهوة ما هو حب، هذا تعاطف بين اثنين مطحونين".
وفي هذه الاثناء رفع على مسامعنا الشيخ زغلول اذان الظهر.
كاتب كويتي