يبدو أن أزمة الثقة في السياسة البريطانية تتسع باطراد، متأرجحة بين يمين هش ومفكك، ويسار ضبابي الرؤية ضعيف التماسك؛ في مشهد يعكس أزمة ثقة شخصية، وأزمة مبادئ سياسية في آن واحد.
موجة التفكك السياسي والحزبي، في بريطانيا، يمكن قراءتها من أكثر من زاوية، ولها وجوه متعددة، غير أنها في جوهرها تبدو أزمة مبادئ بقدر ما هي أزمة شخصية، لا سيما بعد صعود نجم حزب "ريفورم"، الإصلاح، بقيادة الإعلامي الشرس نايغل فراج.
لقد نجح حزب "ريفورم" في تفكيك الانتماءات السياسية والحزبية التقليدية، وشجع على الانفصال الحزبي من معسكري اليمين، واليسار على حد سواء، مستفيداً من انكماش القناعات، وتذبذب الولاءات السياسية، حيث تتصدع مرايا الانتماء، وتتقدم الأزمات الشخصية على المبادئ السياسية.
زعيمة حزب المحافظين، كيمي بادنوك، رأت في حالات الانشقاق عن حزبها تعبيراً عن أزمات شخصية أكثر منها مواقف مبدئية، في وقت تتفاقم فيه التحفظات على حزب العمال الحاكم، بسبب تشدد القيادة، وربما الإفراط في فرض الانضباط الحزبي.
وقاد زعيم حزب "ريفورم" نايغل فراج حملة حشد إعلامي وبرلماني ناجحة، مستنداً إلى خطاب احتجاجي استطاع من خلاله التفوق على كل من اليمين المحافظ واليسار العمالي، ما أفضى إلى تفاعل شعبي وبرلماني، وولد حالات انشقاق داخل مجلس العموم.
في بريطانيا، يُنظر إلى الاحتجاج الشعبي المنظم والانشقاق الحزبي بوصفهما سلوكاً سياسياً مشروعاً ومهضوماً اجتماعياً، إذ تتسم البيئة السياسية بقدرتها على استيعاب، وامتصاص التغيير العميق، والنقد الحاد، والمنعطفات الحادة، من دون سقف يقيد سيف المساءلة والتحقيق.
وفي هذا السياق، برزت أخيراً تداعيات فضائح جيفري إبستين داخل مجلس اللوردات، حيث أعلن اللورد ماندلسون، سفير بريطانيا لدى واشنطن السابق، استقالته من حزب العمال على خلفية صلته بفضائح مالية وسلوكية مرتبطة بإبستين، الذي انتحر في السجن في العام 2019.
في المقابل، دعا رئيس الوزراء كير ستارمر، زعيم حزب العمال، لسحب لقب "لورد" من ماندلسون، وبضرورة خضوعه للتحقيق أمام الكونغرس الأميركي.
في الغرب، السياسة متعددة البيئات والجماهير، وتحكمها صحافة وإعلام لا يخضعان للأوامر الحزبية، ما يجعل المواد الإعلامية أكثر جاذبية، وأقرب إلى المهنية، بعيداً عن تزييف الفضائح أو تمييع الحقائق، إلى جانب مشروعية سحب الألقاب.
أما المراقب المتعمق للمشهد السياسي والحزبي الغربي، فيجد الكثير مما يغيب عن الشرق، سياسياً وإعلامياً، ويمكن التعلم منه في عالم سريع التغير، يعيد صياغة قواعد العمل السياسي، واللعبة الإعلامية من دون أن ينزلق إلى التعسف أو التسلط.
وتبقى أزمة المبادئ السياسية معاناة مزمنة في الشرق الكبير، حيث لا تزال المصالح الشخصية حاضرة بقوة في ملاعب السياسة والإعلام.