منذ تحرير دولة الكويت عام 1991 والعلاقات بين العراق والكويت تمر بمراحل متباينة بين التهدئة والتصعيد، إلا أنه من المؤسف أن بعض الأصوات السياسية في العراق لا تزال تلجأ بين الحين والآخر إلى إثارة ملفات حسمت، قانونيا ودوليا، وفي مقدمتها ملف خور عبدالله، وكأن المنطقة لا تحتمل الاستقرار، ولا يكفيها ما عانته من حروب وأزمات.
خور عبدالله ليس قضية مستجدة ولا نزاعا طارئا، بل هو ملف تم تنظيمه وفق قرارات دولية ملزمة صدرت عن مجلس الأمن بعد تحرير الكويت، وتم ترسيم الحدود البحرية والبرية بشكل واضح، ومعتمد دوليا، وبمشاركة لجان فنية متخصصة وبناء على وثائق تاريخية وقانونية، وبالتالي فإن أي محاولة لإعادة طرح الموضوع خارج هذا الإطار لا يمكن تفسيرها، إلا باعتبارها محاولة لخلق أزمة سياسية لا تخدم شعبي البلدين.
الكويت التزمت منذ عام 1991 بكل ما صدر عن الشرعية الدولية، وتعاملت مع ملف الحدود بروح القانون واحترام المواثيق ولم تسع يوما إلى التصعيد أو الانتقاص من سيادة العراق، بل كانت حريصة على بناء علاقة قائمة على حسن الجوار والتعاون الاقتصادي والأمني، إيمانا منها بأن استقرار العراق هو استقرار للمنطقة بأسرها.
غير أن تكرار التهديدات والتصريحات التصعيدية بشأن خور عبدالله يعيد إلى الأذهان خطابا تجاوزته الأحداث، ويبعث برسائل سلبية لا تنسجم مع متطلبات المرحلة، ولا مع تطلعات الشعب العراقي الشقيق الذي يتطلع إلى التنمية والاستقرار، وإعادة البناء بعيدا عن صراعات الماضي.
إن إثارة هذا الملف في كل منعطف سياسي داخلي يطرح تساؤلات مشروعة حول الدوافع الحقيقية، وراءه فالقضايا السيادية لا تعالج بالشعارات، ولا بالمزايدات الإعلامية، بل عبر القنوات القانونية والديبلوماسية المعترف بها دوليا، وأي مساس بالاتفاقيات والقرارات الدولية يفتح الباب أمام اضطراب إقليمي لا يحتاج اليه أحد.
إلى متى يبقى هذا الملف ورقة ضغط، أو وسيلة للهروب من أزمات داخلية، إلى متى تستحضر خلافات تم حسمها قانونيا، في وقت تحتاج فيه المنطقة إلى خطاب عقلاني يرسخ الثقة، ويعزز التعاون؟
الكويت دولة مؤسسات، تحترم القانون الدولي، وتحتكم إلى الشرعية الدولية، وتؤمن أن العلاقات بين الدول تبنى على الاحترام المتبادل، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية والالتزام بالاتفاقيات المبرمة، وأي محاولة للالتفاف على هذه الثوابت لن تغير من الواقع القانوني شيئا.
المرحلة الراهنة تتطلب من الجميع تحكيم صوت الحكمة وتغليب المصالح المشتركة بين الشعبين، فالتاريخ والجغرافيا يفرضان التعايش والتعاون، لا التصادم واستدعاء الأزمات لن يعيد كتابة الحدود، ولن يغير من الحقائق المعتمدة دوليا.
يبقى السؤال الذي يطرحه كل كويتي وعربي حريص على استقرار المنطقة: إلى متى يا عراق ستظل بعض الأصوات تثير هذا الملف في كل مناسبة، ومتى يتحول الحديث من الجدل حول الحدود إلى العمل المشترك من أجل مستقبل أكثر أمنا، وازدهارا لشعبي البلدين وللمنطقة بأسرها؟
محام كويتي