sheikha__alasfoor@
أصبحت العلاقة بين الإنسان والدين في عصرنا الحديث معقدة أكثر من أي وقت مضى، فبينما كان الدين عبر التاريخ مصدراً للطمأنينة والهوية، نرى اليوم ظاهرة يمكن وصفها بـ"فوبيا الدين"، أي الخوف أو النفور من التشريعات، والقيم الدينية.
هذه الظاهرة لم تنشأ فجأة، بل هي نتاج تراكمات اجتماعية وثقافية، تغذيها الفتن، والبعد عن القرآن الكريم كعلم، والانفتاح غير المنضبط الذي فرضته التكنولوجيا الحديثة، فمن درجات الـ"فوبيا" بين الناس:
أولاً: الرفض الصريح، فبعض الأفراد يعلنون رفضهم للتشريعات الدينية بشكل مباشر، معتبرين أنها لا تتناسب مع الحرية الشخصية، أو المعتقدات الحديثة.
ثانياً: الانتقائية، فهناك من يختار من الدين ما يوافق هواه، ويترك ما يخالف شهواته، فيتحول الدين إلى مجرد قائمة خيارات.
ثالثاً: اللامبالاة، فئة أخرى لا تعلن رفضاً ولا قبولاً، بل تعيش في حالة حياد سلبي، وكأن الدين لا يعنيها في شيء.
ومن أسباب انتشار الظاهرة الفتن، والاضطرابات الفكرية، كثرة الجدالات العقيمة، والانقسامات المذهبية، ما جعل الدين يبدو للبعض وكأنه مصدر خلاف، بدلاً من أن يكون مصدر وحدة، هذا إلى جانب انتشار الجهل، فرغم الطفرة المعلوماتية الحديثة، إلا أن المعرفة الدينية الصحيحة تراجعت، أمام سيل من المعلومات المغلوطة، والمصادر غير الموثوقة.
كما أن التكنولوجيا والانفتاح الخطيرعلى منصات التواصل الاجتماعي، والفضاء الرقمي، سمح بانتشار الأفكار المنحرفة بسرعة، وأصبح من السهل الوصول إلى محتوى يطعن في الدين، أو يسخر منه، هذا إلى جانب هيمنة الشهوات والمعتقدات الشخصية، فالكثير أصبح يقيس التشريعات الدينية بميزان رغباته، فإذا تعارضت مع مصالحه رفضها، أو أعاد تفسيرها بما يخدمه.
ومن أبرز مظاهر هذه الـ"فوبيا" هو هجر القرآن الكريم، ليس فقط على مستوى التلاوة، بل على مستوى التدبر، والعمل، والوعي، فالجهل بكلام الله يجعل علاقة العبد بربه علاقة سطحية، لا تؤثر في السلوك، وهذا ما يعني الانفصال عن الهداية القرآنية، فمن المفترض أن يكون الوصول إلى تفسير القرآن، ومعانيه أسهل، لكن المفارقة أن الجهل به أصبح أكثر انتشاراً، حيث أصبح من المألوف أن نرى مجتمعات ترفع شعارات دينية، لكنها في الواقع بعيدة عن روح القرآن وأخلاقه.
فمن أخطار هذه الظاهرة كثيرة على المجتمع منها تفكك القيم، فعندما يستبدل الدين بالأهواء، تنهار منظومة الأخلاق تدريجياً، وليس عند هذا الحد فقط، إنما الصراع الداخلي الذي يعيش الفرد حالة من التناقض، بين ما يعرف أنه الحق، وبين ما يفعله إرضاءً لشهواته، كما أن ضعف الهوية الدينية عنصر أساسي في تشكيل الهوية، ومع تراجع دورها، يصبح الإنسان عرضة للضياع والانجراف، وراء تيارات فكرية متناقضة.
وفي الختام، إن "فوبيا" الدين ليست مجرد ظاهرة فردية، بل أزمة حضارية تهدد المجتمعات من الداخل، فالعلاج يبدأ بالعودة الصادقة إلى القرآن الكريم، فهماً ووعياً، وبنشر العلم الشرعي الصحيح بعيداً عن الفتن والجدالات العقيمة.
فالتكنولوجيا يمكن أن تكون نعمة إذا استُخدمت لنشر النور، لكنها تتحول إلى نقمة إذا أصبحت وسيلة لتكريس الجهل والانحراف، فلابد من حملة "صناعة المعرفة القرآنية" في المؤسسات التعليمية حتى يمكن من استدامة القوة الفكرية للمجتمع.
كاتبة كويتية