الأربعاء 04 مارس 2026
15°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
التحول الذكي والبيئة المترددة
play icon
كل الآراء

التحول الذكي والبيئة المترددة

Time
الثلاثاء 03 مارس 2026
د.رندا دياب بهمن
لغة القوة

يُعدّ الذكاء الاصطناعي جزءاً متزايد الأهمية من أجندة الكويت الستراتيجية، مدعوماً بتقدم ملموس في القطاعين العام والخاص. ففي السنوات الأخيرة، أطلقت الكويت ستراتيجية وطنية للذكاء الاصطناعي، مع تخصيص ميزانية ضخمة لدعم البحث والتطوير ودمج الذكاء الاصطناعي، على مستوى القطاعات، ما يشجع على الابتكار في الخدمات العامة، والمدن الذكية، والبنية التحتية الرقمية.

كما كانت من أولى الدول في المنطقة التي وفرت أدوات مدعومة بالذكاء الاصطناعي لموظفي الحكومة من خلال شركة "مايكروسوفت"، ما يُظهر التزاماً مؤسسياً بتوظيف الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع.

هذا الزخم واعد، ويشير إلى جدية في هذا المجال. مع ذلك، لا يتحقق التبني بمجرد شراء أداة أو الإعلان عن إطار عمل. ففي بحثي الأخير حول تبني الذكاء الاصطناعي في الكويت، اتضح أن التقدم المستدام يعتمد على تفاعل ثلاثة عوامل: السياسة المؤسسية، ورأي أصحاب المصلحة، والاستخدام الفعلي. وهذه العوامل ليست مراحل خطية، بل تعمل في آن واحد، تؤثر في بعضها بعضاً وتعززها.

تُحدد السياسة المؤسسية التوجه العام، ويشير الاستثمار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، وتبسيط الإرشادات الداخلية إلى الالتزام.

مع ذلك، يجب أن تكون السياسة متسقة ثقافياً، لأنه عندما تتعارض السياسات مع الممارسات اليومية، تضعف المصداقية، ولا يظهر هذا التوتر بوضوح في أي مجال، كما هي الحال في التعليم، حيث يفترض أن تبدأ معرفة الذكاء الاصطناعي.

تُكلَّف الجامعات بإعداد الطلاب لاقتصاد قائم على الذكاء الاصطناعي، وتشجيع الابتكار والكفاءة الرقمية. وفي الوقت نفسه، غالباً ما تُصوِّر اللوائح الأكاديمية الذكاء الاصطناعي في المقام الأول على أنه خطر على النزاهة.

والنتيجة هي تناقض دقيق، حيث يُنظر إلى الذكاء الاصطناعي على أنه ضروري ومثير للريبة في آن واحد، وعندما تتعارض الممارسة مع السياسة، ينشأ التردد بطبيعة الحال.

يصبح رأي أصحاب المصلحة بالغ الأهمية في هذا السياق، فالثقة في التكنولوجيا، وفي وضوح القيادة، تحدد ما إذا كان سيتم تبني الذكاء الاصطناعي بشكل فعّال، أم استخدامه بشكل سطحي.

ويؤثر الرأي العام في السلوك بقوة أكبر من التوجيهات الرسمية عندما يُنظر إلى الذكاء الاصطناعي على أنه داعم ومتوافق مع المعايير المهنية، يزداد التفاعل معه. أما عندما يُنظر إليه على أنه مهدد أو غير منظم بشكل متسق، يصبح تبنيه حذراً ومجزأً.

يكشف الاستخدام بدوره حقيقة التوافق، فهو يبين ما إذا كان الذكاء الاصطناعي قد تجاوز حدود وثائق الستراتيجية إلى سير العمل اليومي، فالإنفاق الكبير لا يترجم تلقائياً إلى تكامل عالٍ.

وقد تجيز السياسات التجريب، لكن من دون الثقة والاتساق يبقى الاستخدام رمزياً لا تحولياً. في المقابل، عندما يشعر أصحاب المصلحة بالثقة في غاية الذكاء الاصطناعي وحدوده، يصبح التكامل تلقائياً.

العامل البشري هو القاسم المشترك بين هذه العناصر، فثقافة الذكاء الاصطناعي لا تُصنع بواسطة البرمجيات، بل تتشكل من خلال كيفية تفسير الأفراد للسياسات، واستيعابهم للسرديات، ودمجهم للأدوات في ممارساتهم اليومية. الثقافة هي التي تحدد ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيصبح قدرة أساسية، أم نظاماً موازياً يعمل على الهامش.

بالنسبة للممارسين وصناع السياسات في الكويت، تكمن الفرصة في النظر إلى الذكاء الاصطناعي ليس كمبادرة تقنية مستقلة، بل كمشروع ثقافي يجب أن يتوافق الاستثمار المؤسسي مع الثقافة الداخلية، وأن تتعايش الضمانات التنظيمية مع التمكين الحقيقي. ويجب أن تعكس جهود التوعية بالذكاء الاصطناعي، لا سيما في التعليم اتساقاً بين ما يُدرَّس وما يُشجَّع وما يُسمح به.

تمتلك الكويت الموارد والرؤية الستراتيجية اللازمة لتعزيز تبني الذكاء الاصطناعي، وسيكون العامل الحاسم هو التوافق بين السياسات والتوجهات والاستخدام. وعندما تعزز هذه القوى الثلاث بعضها البعض، ينتقل الذكاء الاصطناعي من الطموح إلى التأثير، ومن التجريب المعزول إلى التحول الثقافي المستدام.

باحثة في العلوم الاجتماعية

آخر الأخبار