الأربعاء 04 مارس 2026
14°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
سالم لم يعد كما كان قبل رمضان
play icon
كل الآراء

سالم لم يعد كما كان قبل رمضان

Time
الثلاثاء 03 مارس 2026
محمد الفوزان
قصص إسلامية

لم يكن سالم يكره رمضان، لكنه لم يكن ينتظره أيضاً. كان يراه شهراً مزدحماً بالمواعيد، بالدعوات، والإعلانات، والمسلسلات التي تمتد حتى السحور.

في صباحٍ من أوائل الشهر، جلس في مكتبه يتصفح هاتفه، فإذا برسالة قديمة تظهر له في الذكريات "لا تنسَ أن تدعو لي في رمضان".

كانت من والده، قبل ثلاث سنوات، قبل أن يرحل. توقّف الزمن للحظة. أغلق الهاتف، وشعر أن شيئاً في داخله انكسر.

متى كانت آخر مرة دعا لوالده بصدق، متى كانت آخر مرة قرأ القرآن، لا ليُنهي وِرده، بل ليفهم ويعيش؟

في تلك الليلة، ذهب إلى المسجد متثاقلاً. جلس في الصف الأخير، كعادته، يحاول أن يختبئ من نفسه، قرأ الإمام من سورة مريم، حتى بلغ قوله تعالى: "وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّارًا عَصِيًّا"، ارتجف قلبه، شعر وكأن الآية تعاتبه، لا الإمام يقرأها.

انهمرت دموعه دون أن يشعر، للمرة الاولى منذ سنوات، بكى في صلاة.

عاد إلى منزله تلك الليلة مختلفاً، أخرج مصحف والده القديم من الدرج، ومسح الغبار عنه، فتح الصفحة الأولى، فوجد بخط والده:

"يا رب، اجعل القرآن ربيع قلب ولدي"، بكى أكثر، ومنذ تلك الليلة تغيّر كل شيء.

لم يعد رمضان برنامجاً تلفزيونياً، بل موعداً يومياً مع الله، أصبح يستيقظ قبل الفجر بساعة، يصلي، ويدعو، ويقرأ. صار يفطر في المسجد، يوزع التمر بيده، ويبحث عن المحتاجين دون أن يعرفه أحد.

وفي ليلة السابع والعشرين، جلس بعد التراويح وحده، يرفع يديه طويلاً، لم يطلب مالاً، ولا ترقية، ولا نجاحاً تجارياً، طلب قلباً لا يعود كما كان.

انتهى رمضان، لكن المفاجأة أن سالم لم يعد كما كان قبل رمضان.

استمر في قيام الليل ولو بركعتين، حافظ على ورده من القرآن، وأصبح كلما مرّ على رسالة والده القديمة، ابتسم وقال: "لا تقلق يا أبي مازلت أدعو".

خاتمة للنشر: رمضان ليس شهراً عابراً في التقويم، بل فرصة لإعادة ترتيب الأولويات، ومراجعة العلاقات، وتنظيف القلب من غبار الأيام.

قد لا يغيّر الشهرُ العالم، لكنه قادر أن يغيّر إنساناً، وإن تغيّر الإنسان، تغيّر عالمه كله.

 

 إمام وخطيب

آخر الأخبار