الخميس 05 مارس 2026
16°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
الطَّعن بالظَّهر
play icon
كل الآراء

الطَّعن بالظَّهر

Time
الأربعاء 04 مارس 2026
د.جورج شبلي

لا أعرفُ توصيفاً لِما يجري، في ما خصَّ قَصف إيران لدُول الخليج العربي، وفي مقدّمها دولة الكويت العزيزة، إلّا الطَّعنَ بالظَّهر. وهذا مؤشِّرٌ كبيرُ الخطورة، فيه تقويضٌ صارخٌ لقاعدةِ الاتّفاق بين المُتجاوِرين، على احترام سيادة كلٍّ من بلدان الخليج، وعدم استباحة أمنِ أيٍّ منها، أيًّا كانت الظّروف.

إنّ التّبرير الذي انبرى بعضُ مَنْ تَبَقَّوا في جمهورية إيران، لإعلانه أنّ القصفَ لم يكن يقصدُ إلّا المجمّعات العسكريّة الأميركية في دُول الخليج، لا هذه الدّول بالذّات، هو تمويهٌ للحقيقة، إِنْ لم نَقلْ كَذِباً مشهوداً. فإنّ أكثر الصّواريخ والمسيّرات التي انطلقت من إيران استهدفَت أماكنَ مدنيّة يقطنُها ناسٌ لا علاقة لهم بالحرب، ولم تخطرْ، يوماً، في بالهم.

فلا حاجة للالتفاف على الواقع، فما فعلته إيران ليس سوى اعتداءٍ مورِسَ على سيادةِ هذه الدُّوَل، وأمنها، واستقرارها، في لحظة جنون.

إنّنا ندين، وبالخطّ الأحمر العريض، سلوك إيران العدائيّ، وغير المُبَرَّر، وندعو قياديّيها المعصوبي العقول والانتباه، الى الكَفّ عن هذه الهَلوسة الدمويّة التي لا يمكنُ تفسيرُها إلّا بالاستناد الى عِلم السّيكولوجيا الذي يسمّيها "الذَّهان الإجرامي".

إنّ ما كان يرتجيه أهلُ الجِوار، أن ينعموا بِجارٍ لا يتلذّذُ بمشاهِد التّوتير، ولا يلتزمُ ستراتيجيّةَ العداء، لذلك، حاولوا، بالانفتاحِ عليه، ألّا تكون العلاقةُ معه على كَفِّ الخطر، بل صيغةً معيوشةً باحترامٍ متبادل بين أجنحةِ البيت الواحد.

لكنّ إيران دقَّت ساعةَ إباحة المحرّمات، وهشَّمت صورةَ الوفاق، واستباحَت كرامةَ جيرانِها باعتداءاتٍ مرفوضة، ما حوَّلَها كابوساً ينبغي إطلاقُ جرس الإنذار في وجهه، ربّما للتخلّص منه.

إنّ أفكار التّنوير ومواكبة النّهضات الحضاريّة، جعلَت أخلاقيّات الذين يتولّون شؤون السّلطة في دُوَل الخليج، والكويتُ في رأس قائمتهم، تتلقَّفُ التداعيات المكروهة لاعتداءات إيران المتكرِّرة، وتَعفُّ عن وضعِها بين فَكَّي كمّاشة للإطباق عليها، وهي قادرة. لكنّ النتيجة التي خرجَ بها سلوكُ الملوكِ والأمراء الخليجيّين، كانت الخَيبة المُرّة لإيران، وليس ذلك بمُستَغرَب. فمَنْ قَمعَ أهلَه، وقَهَرَهم، وأذاقَهم نَقيعَ العذابِ والموت، وارتكبَ الموبقاتِ الخبيثة بحَقِّ مواطنيه، تنكيلاً، واستبداداً، وتفقيراً، وظُلماً، وترهيباً، وقتلاً، لا يُكَذَّبُ أنّه يرمي بتعهّداتِه في سلّةِ المُهملات، وينقلبُ على روابطِه وكأنّها لم تكن، حتى باتَ رِهانُ الخليجيّين بسلامٍ موعودٍ مع حيثيّةٍ غريبةٍ عنهم أَشبَهَ بِحالِ القابِضِ على الرّيح.

لقد أعدمَت إيران حِفظَ العهدِ مع دُوَلِ الخليج، بتعريض سلامةِ هذه الدُّول للخطر، وذلك هو أفظعُ الجرائم التي يُمكنُ أن تُرتَكَب، وهو أَشنعُ السلوكيّات المرذولة التي لا تَسامُحَ فيها.

لقد تحوَّلَ أولياءُ الشّأن في إيران سفّاحين، قَتَلَة، ولهم في هذا السّلوك باعٌ طويل، بواسطةِ صواريخهم ومسيّراتهم التي استجرَّت الى الآمِنين في دُول الخليج، حالةً متفجِّرة عُنفيّة، واقترفَت أفعالاً جرميّة أودَت بحياةِ البعض، ودمّرَت ممتلكاتِ آخَرين، وزعزعت اقتصاديّات البلدان، وأمانَ شعوبِها.

إنّ حياةَ الإنسان، في دُوَل الخليج، لا سيّما في الكويت، ليست ثوباً مستَعاراً، وإنّ سبيلَها لا يُسمَحُ أن يُفسدَه إعصارُ الشّياطين المعروفين.

فالحربُ اللّئيمة التي أشعلَتها إيران، أزالَت السّلامَ عن مَقارِّه، وصارَ أَسْوَدَ الصّفحة، وجعلَت مَنِ اتّخذوا المودَّةَ خليقةً، يَخشَونَ ألّا يتصبَّحوا بالسّلامةِ مع كلِّ شمس. لقد اغتالَت إيران أعظمَ إنجازات الأزمنة، وهو السّلام، عنوان ثقافة الحياة، بسلوكيّاتٍ أمّارةٍ بالشّر، والباطل، والصِّدام، والاستعداء، لكنّ الحقَّ ليس له انتكاسة، فهو كالزَّيت يَطفو على الدَّوام.

في مسارِ القِيَم، تتجِّهُ إيران، منذ الخميني، اتّجاهاً مخالِفاً لما يُجاورُها من جماعات، فقد عزلَت نفسَها في قاموسٍ أُصوليٍّ بائدٍ عَفَّه الزّمن، من تأليهٍ للمُرشِد الخليفة، وإصدارِ أوامرَ إلهيّة بالقتل، وإيمانٍ بأيديولوجيا ذات محمولٍ قَبَليّ بدائيّ، في حين عَبَرَت دُوَلُ الخليج الى عصور التّنوير، والدولة، والقوانين المدنيّة، وانفتحَت على حضارات الأُمم، فتبوَّأَت مركزاً متقدِّماً لائقاً بمقياس التمدّن، والتقدّم، في المجالات الاقتصاديّة والعِلميّة والاجتماعيّة، حتى باتت، لها، المثال الأعلى النموذجي.

إنّ إيران، بتَقويضِها منظومة القِيَم، ليسَت بمَنأى عن تداعيات الانحطاط الخُلقي، فالتزامُها مع جيرانِها لم يكنْ إلّا عنواناً فوقَ حائط، أُزيلَ عند أوّلِ زَخّة. فأينَ مشاركتُها السلميّة المتفاعلة مع جيرانها، وأين مبادرتُها المتراكمة مع المُشتَرَك الخليجيّ، وأين عنايتُها بالثّوابتِ احترامًا وتطبيقًا، وفي طليعتِها العِقدُ العلائقيّ الواحد؟

إنّ الواضحَ المعلوم هو أَنْ لا مُزاحِمَ للعدائيّةِ البغيضة رائداً لستراتيجيّتها، والعدائيّةُ أَقتَلُ عيوبِها، لأنّها تَخَلُّفٌ بالقوّة.

كاتب، أستاذ جامعي لبناني

آخر الأخبار