منذ قيام النظام الإيراني عام 1979 بعد عودة آية الله الخميني إلى طهران، دخلت المنطقة مرحلة طويلة من الاضطرابات السياسية والأمنية.
فمع تبني مبدأ "تصدير الثورة" تحولت العديد من الدول العربية إلى ساحات تنافس وصراع غير مباشر، دفعت شعوبها كلفة باهظة من أمنها واستقرارها وتنميتها.
فالكويت شهدت خلال ثمانينيات القرن الماضي أحداثاً مؤلمة تمثلت في تفجيرات، وعمليات خطف طائرات، وأعمال استهدفت زعزعة الأمن الداخلي للدولة. ولم تكن هذه الوقائع معزولة عن سياق إقليمي أوسع؛ إذ شهدت المملكة العربية السعودية والبحرين أيضاً محاولات لخلق اضطرابات داخلية.
أما في دول مثل لبنان وسورية والعراق واليمن، فقد اتخذ الدور الإيراني أبعاداً أكثر تعقيداً من خلال دعم جماعات مسلحة وتغذية الانقسامات الداخلية، الأمر الذي أسهم في إطالة أمد النزاعات وتحويل بعض هذه الدول إلى ساحات صراع إقليمي ودولي مفتوح.
ولسنوات طويلة لم يُخفِ بعض المسؤولين الإيرانيين حديثهم عن امتداد نفوذهم إلى عواصم عدة عربية، في إشارة إلى حجم الحضور السياسي والعسكري خارج حدود إيران.
غير أن هذا النفوذ لم ينعكس استقراراً، أو تنمية على المنطقة، بل ساهم في تعميق الأزمات وتوسيع رقعة التوتر، وألحق ضرراً بصورة الإسلام الذي يقوم على قيم العدل والاستقرار وحقن الدماء.
ومع تطورات السنوات الأخيرة، تبدو البيئة السياسية المحيطة بإيران أكثر تعقيداً من أي وقت مضى، فالتحديات الداخلية، والضغوط الاقتصادية، وتصاعد المواقف الإقليمية والدولية، كلها عوامل تضع طهران أمام خيارات صعبة قد تفرض عليها إعادة النظر في كثير من سياساتها، خصوصاً في ظل احتمالات التفاهم أو التفاوض مع الولايات المتحدة حول ملفات إقليمية ودولية حساسة.
غير أن السؤال الذي يطرح نفسه اليوم هو: هل يمكن أن تقود أي تفاهمات مقبلة إلى مراجعة حقيقية لسياسة التدخل في شؤون الدول الأخرى، أم أن الأمر سيقتصر على إعادة ترتيب للأوراق وتغيير في الأساليب دون تغيير في النهج؟
في نهاية المطاف، يبقى المتضرر الأكبر من هذه السياسات هو الشعب الإيراني ذاته، فخلال عقود طويلة استُنزفت الموارد في صراعات خارجية ومشاريع نفوذ إقليمي، بينما يواجه المواطن الإيراني تحديات اقتصادية صعبة وتراجعاً في مستويات المعيشة وتضييقاً على الحريات.
إن الشعب الإيراني صاحب حضارة عريقة وتاريخ طويل من الإسهام الثقافي والإنساني، وكان الأجدر بثرواته أن تُوظف في التنمية والازدهار، وتحسين حياة المواطنين، غير أن العقود الماضية أثبتت أن الشعوب هي دائماً من تدفع الثمن الأكبر عندما تتقدم الأيديولوجيا على مصالح الإنسان، وعندما تتحول المغامرات الخارجية إلى أولوية على حساب رفاه الداخل واستقراره.
محام كويتي