مختصر مفيد
سمع محمد الفقير طارقاً يطرق الباب في ليلة ظلماء، فإذا برجل عليه عباءة سوداء، مد يده إليه بصرةٍ فيها نقود، ثم أدبر مهرولاً.
تكرر الأمر مرات عدة.
فأراد محمد ان يعرف صاحبه، فأمسك بالصرة واليد، وحاول المجهول التخلص، فلم يستطع، وعرف محمد صاحبه، إنه أمير البلاد، يومذاك، الشيخ سالم بن مبارك بن صباح، تأثر محمد أن يكون الأمير المُهاب، بهذه الصفة الرقيقة ليتفقده، ولاشك أنه يتفقد أمثاله.
ارتبط أهل الكويت بعقد اجتماعي بينهم، وبين أسرة الحكم منذ ما يزيد على أربعمئة سنة، ولا يزال مستمراً، وكنا ولا نزال نمتلك رصيدا كبيرا من التآلف والوحدة كشعب واحد، سّنة وشيعة، حضراً وبدواً.
وتخلل تاريخنا كثير من الأحداث والكوارث الطبيعية، من أمطار وأعاصير وأمراض ومجاعات، وفي المحن والأزمات، تضرر الكويتيون منها لكنهم تخطوا ذلك بالتراحم ومساعدة بعضهم بعضا، فتواصلوا حتى بعود الكبريت، مثلاً، كأن يطلب الجار من جاره عود كبريت ليشعل ناراً.
اعتبر كثير من الناس الكويت بلداً آمناً مستقراً، وموطناً يلجأ إليه الغريب الخائف على نفسه، ما شجع على المجيء إليها لكسب الرزق، فهناك مثلاً من فر من الأحساء، ولجأ إليها هربا من ظلم الأتراك، وهناك من جاء إليها من عُمان وبلاد فارس، فقال العُماني: "لو كان دمي يتكلم لقال أنا كويتي عُماني".
وقال أحد الإيرانيين: "ان الكويت أغنت الجميع، لقد عملت فيها ونلت الخير فقد بنينا بيوتاً في إيران، ودرّسنا أولادنا، وزوجناهم من خيرات الكويت.
وهناك أيضاً من حلمَ بإنشاء مطبعة في غزة، فجاء الى الكويت لتأمين تكاليفها فأثار دهشته وإعجابه الانفتاح الفكري والسياسي فيها، رغم تنوع مذاهبهم الدينية، وتفاوت أحوالهم الاجتماعية، فهم يعيشون في سلام ومودة.
كذلك جاء إليها الأرمني جاكوب برداقجيان، بسبب الظروف الدامية في بلاده، استقلته الطائرة الى الكويت حيث هبط في مطار النزهة، وكان أرضا ترابية ومبنى متواضعا صغيراً، فقال: "جئت لأبني مستقبلي ولتحقيق آمالي، وكنا نسمع عن الكويت أنها مستقرة وآمنة، ومن يعمل فيها بإخلاص يضمن مستقبله ومستقبل أولاده".
هناك الألماني جورج دزيرزن الموظف في شركة "فولكس واغن" الذي انتدبته شركته للكويت قبل نحو 70 عاما فقطع رحلة بالطائرة مدتها أكثر من يومين، وسكن مثل الكويتيين في بيت بسيط، ونام صيفاً على سطح البيت، اصطحبه بعض الكويتيين لحضور الديوانيات ما جعله يشعر بالراحة النفسية، ووجد في الكويتيين صفات فاضلة، كالقناعة الى جانب صفات أخرى فقال: "لقد كنت اسمع الكويتي يحمد الله كثيراً، ويكتفي بما لديه من مال فلا يطلب المزيد"، وتمنى هذا الألماني بعد مضي نصف قرن أن يعيش بقية عمره على أرض الكويت ويُدفن فيها.
هناك مخطوطة في مكتبة برلين في ألمانيا تفيد بأن الكويت كانت موجودة منذ أكثر من 300 سنة، إذ مر بها في عام 1708 الرحالة العربي الحاج مرتضى بن علوان الذي غادر دمشق، وذلك لتأدية فريضة الحج، وعند عودته مر بالأحساء، وكان يكتب مشاهداته فقال: "دخلنا بلداً يُقال له الكويت"، ووجد أن الحبوب وجميع المواد الغذائية أرخص من مثيلاتها في الأحساء، وذكر كذلك أنها تُسمى أحيانا بالقرين، وقد سُمىّ دفتره مجازاً" (مخطوطة ابن علوان).
وطوال السنين لم تظلم الكويت أحداً من الدول، ولم تتدخل في شؤون الغير، بل بالعكس يمكن تشبيهها بالإنسان أو الجار الطيب الذي يُحسن الى جاره من خلال (سياسة حسن الجوار)، وينفق المال على المحتاج من خلال "الصندوق الكويتي للتنمية"، ويدعو الى السلم من خلال "سياسة التعايش السلمي".
ليس في الكويت أنهارا وزراعة، فالعادة ان الناس يستوطنون جوار الأنهار، لكن كان فيها، ولا يزال، الأمن والاستقرار، والمحبة المتبادلة بين الحاكم والرعية، ولما استقلت الكويت لم تبخل على العرب وغيرهم.
لكن مع الأسف لم يقف نصف العرب الى جانبها أثناء الاحتلال العراقي، وبعضهم طعنها بخنجر الغدر والخيانة، ومع هذا دفعت الكويت لهم بالأمس مليار دولار لإعادة إعمار غزة، أيا القهر!.