قصص إسلامية
ليس أخطر ما يسرقه منا الزمن هو العمر، بل الإحساس.
نستيقظ، نعمل، نركض، نتابع الأخبار، نتجادل، نخطط، نحسب الأرباح والخسائر… ثم ننام، وكأننا آلات مبرمجة على تكرار اليوم ذاته، حتى يأتي رمضان.
لا يأتي رمضان ليضيف عبادة جديدة فقط، بل ليعيد ترتيب الفوضى التي تراكمت في الداخل. في أول ليلة، تشعر أن هناك شيئاً مختلفاً في الهواء. المآذن أعلى صوتاً، القرآن أعمق أثراً، والقلوب، رغم تعبها، أكثر استعداداً للسماع.
لكن السؤال ليس ماذا نفعل في رمضان، بل السؤال الأهم ماذا يفعل رمضان بنا؟
رمضان لا يطلب منك الكمال، ولا يشترط أن تكون بلا ذنب، ولا أن تكون قد ختمت القرآن عشرات المرات، ولا أن تبكي في كل سجدة، هو فقط يطلب منك أن تتوقف عن الهروب من نفسك، أن تجلس معها دقائق صادقة بلا هاتف، بلا ضجيج، بلا مبررات، أن تسألها: إلى أين نمضي؟
كم من خصومة كان يمكن أن تنتهي في رمضان، لو قدّم أحدنا تنازلاً بسيطاً؟
كم من أبٍ كان يمكن أن يسمع أبناءه لو أغلق التلفاز ساعة، كم من ابنٍ كان يمكن أن يقبّل رأس أمه قبل أن يفطر؟
المشكلة ليست في قلة الوقت، بل في غياب الأولوية.
رمضان يعيد تعريف الأولويات.
الجوع ليس غاية، والعطش ليس بطولة، بل تذكير بأننا لسنا أجساداً فقط.
إن في داخل كل واحد منا روحاً تحتاج غذاءً آخر… غذاءً لا يُشترى من الأسواق.
ولعل أعظم ما في رمضان أنه يمنحنا فرصة "البداية المؤجلة".
ذلك القرار الذي كنا نؤجله: سأصلي حين أستقر، سأتصالح حين يعتذر، سأقترب من أولادي حين يخف الضغط.
رمضان يقول لك بهدوء: ابدأ الآن.
لا أحد يخرج من رمضان كما دخل إليه… إما أن يرتفع درجة، أو يتراجع درجة، والموفق من جعل الشهر نقطة تحول لا محطة عابرة.
رمضان ليس موسماً عاطفياً نبكي فيه ثم نعود كما كنا، بل مدرسة سنوية لتصحيح الاتجاه، فإن خرجنا منه وقد تعلمنا الصدق مع الله،
واللين مع الناس، والرحمة مع أنفسنا… فقد ربحنا.
أما إن كان كل ما تغيّر هو مواعيد نومنا فقد أضعنا الفرصة... رمضان ليس في التقويم… رمضان في القرار، قال تعالى: "وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ" (آية 17 من سورة محمد).
ويقول تعالى: "وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ" (آية 69 من سورة العنكبوت).
$ إمام وخطيب