كلما اندلعت حرب جديدة في الشرق الأوسط عاد الحديث عن "شرق أوسط جديد"، لكن التاريخ يقول إن هذه المنطقة لا يعاد تشكيلها بسهولة.
في البداية، لا يسعنا إلا أن نتوجه بالشكر والتقدير إلى حكومتنا الرشيدة في دولة الكويت على تجاوبها مع المطالب الشعبية بإعادة صلاتي التراويح والقيام في المساجد، خلال هذا الشهر المبارك.
لقد كان لهذا القرار أثر طيب في نفوس الناس، إذ أعاد الأجواء الإيمانية التي ينتظرها المجتمع في رمضان، وأكد مرة أخرى أن الكويت دولة تسمع إلى صوت مجتمعها، وتحترم قيمه الدينية والاجتماعية، وأن العلاقة بين القيادة والشعب تقوم على الثقة المتبادلة، والحكمة في إدارة الشأن العام.
وفي الوقت الذي تعيش فيه مجتمعاتنا هذه الأجواء الروحية، تمر منطقتنا بمرحلة جيوسياسية شديدة الحساسية مع تصاعد التوتر حول المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، وما قد يترتب عليها من تغيرات في موازين القوى في الشرق الأوسط، وقد بدأت مراكز التفكير الغربية بالفعل في طرح تساؤلات جدية حول ما إذا كانت هذه الحرب، إن توسعت، ستقود فعلاً إلى شرق أوسط جديد، كما تتخيله بعض الدوائر السياسية، أم أنها ستفتح الباب أمام مرحلة أكثر تعقيداً من الاضطرابات؟
الخبرة التاريخية في المنطقة تشير إلى أن الحروب الكبرى نادراً ما تحقق الأهداف السياسية المعلنة لها، فإسقاط الأنظمة، أو إضعاف الدول بالقوة العسكرية، لا يعني بالضرورة بناء نظام إقليمي أكثر استقراراً، بل إن التجارب الحديثة، من العراق إلى ليبيا إلى أفغانستان، أظهرت أن ما يحدث غالباً هو العكس، حيث ينشأ فراغ في السلطة يفتح المجال لصراعات داخلية، وصعود قوى مسلحة جديدة، وتدخلات إقليمية متنافسة.
ولا شك أن إيران ادت خلال العقود الماضية دوراً مهماً في تعقيد المشهد الإقليمي، عبر دعم حلفاء محليين في بعض الدول المجاورة، وبناء شبكات نفوذ في عدد من دول المنطقة، مستندة في ذلك إلى عقيدة "ولاية الفقيه" التي أقرّتها في دستورها، والتي تقوم في جوهرها على فكرة "تصدير الثورة".
غير أن اختزال أزمات الشرق الأوسط كلها في العامل الإيراني وحده لا يعكس الصورة الكاملة للواقع، فهذه المنطقة تعيش منذ عقود صراعات متشابكة ذات جذور تاريخية، وقومية واقتصادية، تجعل أي محاولة لإعادة تشكيلها بالقوة العسكرية مغامرة غير محسوبة النتائج. وفي المقابل، فإن الاعتقاد أن إضعاف إيران عسكرياً سيؤدي تلقائياً إلى اختفاء القوى المتحالفة معها يبدو افتراضاً مبسطاً، فكثير من هذه القوى أصبح يمتلك بنية سياسية وعسكرية داخلية مرتبطة بواقع دولها، وليس فقط بالدعم الخارجي.
لهذا، فإن أي تغيير كبير في ميزان القوى قد يعيد تشكيل المشهد لكنه لن ينهيه بالكامل.
غير أن أخطر ما في هذه الحرب المحتملة لا يتعلق فقط بالشرق الأوسط، بل بآثارها على النظام الدولي والاقتصاد العالمي، فتعطّل الملاحة في مضيق هرمز، أو تهديد منشآت الطاقة في الخليج، يمكن أن يؤدي إلى اضطرابات كبيرة في أسواق الطاقة العالمية، خصوصا إذا علمنا أن نحو ثلث تجارة النفط العالمية المنقولة بحراً تمر عبر هذا الممر الحيوي، وأي اضطراب فيه كفيل بدفع أسعار الطاقة إلى الارتفاع، وإرباك الاقتصاد العالمي في وقت يعاني فيه أصلًا من ضغوط تضخمية وأزمات إمداد.
لكن المفارقة أن استمرار التوتر قد يحمل فوائد ستراتيجية غير مباشرة لبعض القوى الدولية، فروسيا التي كانت تواجه ضغوطاً أوروبية متزايدة لوقف استيراد الغاز الروسي، قد تستفيد من أي اضطراب في إمدادات الطاقة من الشرق الأوسط، فإذا اضطرت دول منتجة للطاقة إلى تقليص صادراتها موقتاً بسبب المخاطر الأمنية، كما حصل مع قطر، فإن أوروبا قد تجد نفسها مضطرة إلى تأجيل قراراتها والعودة إلى الاعتماد على الغاز الروسي لفترة أطول مما كان مخططًا له.
أما الصين، فإن استمرار اشتعال المنطقة قد يمنحها هامشاً ستراتيجياً مهماً، إذ إن انشغال الولايات المتحدة، عسكرياً وسياسياً، في الشرق الأوسط يخفف من ضغوطها في شرق آسيا، حيث تتصاعد المنافسة حول بحر الصين الجنوبي وقضية تايوان، وفي توازنات السياسة الدولية كثيراً ما تستفيد القوى الكبرى من انشغال منافسيها في جبهات أخرى.
ومن جهة أخرى، فإن اتساع دائرة التوتر في المنطقة قد يدفع بعض دول الخليج إلى زيادة إنفاقها الدفاعي بشكل كبير، وهو ما يعني عملياً ازدهار سوق السلاح العالمي، خصوصاً الصناعات العسكرية الأميركية، فالحروب الإقليمية كثيراً ما تتحول إلى محركات اقتصادية ضخمة لشركات السلاح، وهو جانب لا يمكن تجاهله في قراءة الاقتصاد السياسي للنزاعات الدولية.
وسط كل هذه التعقيدات، يبقى السؤال الأهم: هل يمكن حقاً إعادة هندسة الشرق الأوسط بالقوة العسكرية، أم أن المنطقة، بتاريخها وتشابك مصالحها، أكبر من أي مشروع سياسي أو عسكري يراد فرضه عليها من الخارج؟