وسط هذه التحولات المتسارعة، تبرز أهمية الدور العربي في تجنيب المنطقة الانزلاق إلى فوضى شاملة، فالشرق الأوسط لا يحتمل حربا طويلة جديدة، في ظل التحديات الاقتصادية والأمنية التي تواجه العديد من دوله.
من هنا تبدو الحاجة ملحة لتعزيز الجهود الديبلوماسية والعمل على منع توسع دائرة الصراع.
يمكن القول إن الحرب الدائرة اليوم ليست مجرد مواجهة عسكرية بين دولتين، بل هي صراع على شكل النظام الإقليمي المقبل في الشرق الأوسط، فنتائج هذه الحرب - أيا كانت - ستترك آثاراً عميقة على توازنات القوة، وعلى مُستقبل الأمن والاستقرار في المنطقة لسنوات طويلة مقبلة.
تشهد منطقة الشرق الأوسط واحدة من أخطر لحظاتها الجيوسياسية منذ عقود، بعد اندلاع المواجهة العسكرية المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران عقب سلسلة ضربات جوية واسعة بدأت في 28 فبراير 2026، واستهدفت منشآت عسكرية وبنى تحتية ستراتيجية داخل إيران، وقد جاءت هذه الضربات ضمن عملية عسكرية مشتركة بين واشنطن وتل أبيب، استهدفت البرنامج الصاروخي الإيراني، ومراكز القيادة العسكرية، ما أدى إلى مقتل قيادات عليا في النظام الإيراني، بينهم المرشد الأعلى علي خامنئي، في الأيام الأولى من العمليات العسكرية.
هذه التطورات تمثل تحولاً نوعياً في طبيعة الصراع، إذ انتقل من حالة "حرب الظل" الممتدة لسنوات إلى مواجهة مفتوحة ذات أبعاد إقليمية ودولية، ومع اتساع رقعة العمليات العسكرية وتبادل الضربات، أصبحت المنطقة أمام معادلة ستراتيجية جديدة، قد تعيد رسم توازنات القوة في الشرق الأوسط.
لم تأتِ هذه المواجهة من فراغ؛ فالعلاقات الأميركية - الإيرانية كانت تعيش حالة من التوتر المزمن منذ عقود، تصاعدت حدتها خلال السنوات الأخيرة بسبب ثلاثة ملفات رئيسية: البرنامج النووي الإيراني، وتطوير الصواريخ الباليستية، وشبكة النفوذ الإقليمي التي بنتها طهران عبر حلفائها في عدد من دول المنطقة.
وكانت جولات التفاوض التي جرت خلال الأشهر الماضية عاجزة عن ردم الفجوة بين الطرفين، خصوصا بشأن مستوى تخصيب اليورانيوم، والقيود المفروضة على القدرات الصاروخية الإيرانية، الأمر الذي جعل مسار التصعيد العسكري يسير بوتيرة أسرع من مسار الديبلوماسية.
ومع بدء الضربات العسكرية المكثفة، التي تجاوز عددها مئات الغارات في الساعات الأولى، دخل الصراع مرحلة جديدة عنوانها "إضعاف القدرة العسكرية الإيرانية"، في مقابل محاولة طهران الرد عبر ضرب أهداف مرتبطة بالولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة.
في الجانب الاقتصادي، بدأت الأسواق العالمية تشعر بآثار الحرب مبكرا، إذ قفزت أسعار النفط إلى مستويات تتجاوز 100 دولار للبرميل نتيجة المخاوف من تعطل الإمدادات في منطقة الخليج، التي تعد شريان الطاقة العالمي، كما ظهرت مخاوف من اضطرابات في حركة الملاحة البحرية، خصوصا في مضيق هرمز الذي يمر عبره جزء كبير من تجارة النفط العالمية. المشهد الحالي يفتح الباب أمام سيناريوهات عدة محتملة، الأول يتمثل في استمرار الحرب لفترة طويلة في شكل ضربات جوية، وعمليات غير مباشرة، وهو السيناريو الأقرب في المدى القصير، أما السيناريو الثاني، فيتمثل في توسع الصراع إلى مواجهة إقليمية أوسع، إذا انخرطت قوى أخرى في المعركة بشكل مباشر.
أما الثالث، وهو الأقل احتمالاً في المرحلة الحالية، فيتمثل في العودة إلى المسار السياسي بعد استنزاف عسكري متبادل يدفع الأطراف الدولية إلى فرض تسوية ديبلوماسية.
كاتب سعودي