مرايـا الروح
في لحظةٍ ما من النضج، لا يعود الصخب في نظرك دليلاً على الحياة، ولا كثرة الوجوه علامة امتلاء. حين تسمو اختياراتك، سيتبدّد صخب العالم تلقائياً من حولك، كأن الوعي يفرز محيطه بذكاءٍ صامت، لا لأنك صرت أعلى من الآخرين، بل لأنك صرت أوضح مع نفسك. الاختيار الراقي ليس ترفاً فكرياً، بل فعلُ بصيرة، وإرادةٍ رفيعة. أن تختار ما يشبهك يعني أن تتخلى عن كثيرٍ مما لا يضيف، وأن تتحمّل ثمن الهدوء في عالمٍ يربط القيمة بجلبة الكلام. هنا، يصبح الصمت لغة، والابتعاد حكمة، والتقليل اتساعاً.
ليس كل من يسير في الطريق قادراً على ملامسة وعيك. بعض العابرين يكتفون بالسطح، وبعضهم يخاف العمق لأنه يفرض أسئلة لا يريدها. حين تعلو معاييرك، لا تزدري أحداً، لكنك تكفّ عن الشرح، وتخفّف من التبرير، وتدع الأيام تُنجز حكمتها. من ينسجم مع عمقك سيبقى، ومن لا ينسجم، يمر دون أن يشعر بك، كما تمر الريح على نافذةٍ موصدة. الضجيج الخارجي هو غالباً علامة فراغ. وحين يمتلئ الداخل، تخفت الحاجة إلى الإطراء والاستحسان الخارجي، يصبح الرضا الداخلي بوصلة، لا رأي الجماعة.
وتتحول العلاقات من ازدحامٍ عددي إلى انتقاءٍ نوعي؛ قلةٌ صادقة، خيرٌ من كثرةٍ مشتتة، في هذا الانتقاء تتطهّر الروح من العلاقات الاستهلاكية، وتستعيد قيمتها الإنسانية.
السمو في الاختيار لا يعني الانسحاب من الحياة، بل الانخراط فيها بوعي.
أن تحيا أقل، لكن أعمق. أن تقول "لا" حين يلزم، دون قسوة، وأن تقول "نعم" لما يستحق، دون خوف. أن تختار المسار الذي يصون كرامتك ويليق بك، والكلمة التي تشبه حقيقتك، والطريق الذي لا يخون مبادئك ولو طال.
وعندما يتلاشى صخب العالم، تسمع صوتك الداخلي بوضوح، تكتشف أن السلام ليس في كثرة الكلام وعلوّ الأصوات، بل في انسجامها، وأن الطمأنينة لا تُستعار من الخارج، بل تُبنى من الداخل، لبنةً من وعي، وأخرى من صدق، وثالثة من شجاعة الاختيار.
في نهاية الأمر، ليست الغاية أن يراك الجميع، بل أن ترى نفسك بصفاء، فكلما سمت اختياراتك، خفّ الصياح من حولك، وبقي الأثر، نقياً، عميقاً، يشبهك.
كما يقول جلال الدين الرومي إن من رفاهية الروح أن يكون انفرادك بنفسك هو متعتك الحقيقية، فمن لا يأنِس بذاته لا يأنس بشيء آخر.
كاتبة كويتية